العشا فين حكايات منال علي

لمحة نيوز

ل حاجة أعملها، ألف على الشقة كلها، يمكن ألاقي دليل، يمكن أثبت لنفسي إني مش بتخيل. لكن الدليل... جه لوحده.

وفي يوم... نسيت ملف مهم في البيت، ورجعت بعد أقل من ساعة، وأول ما حطيت المفتاح في الباب... سمعت صوت حركة جوا الشقة، وقلبي وقع. فتحت الباب بسرعة... واتصدمت من اللي شوفته؛ لقيت الحاجة سعاد، حماتي، واقفة في نص المطبخ بكل هدوء، ولابسة المريلة بتاعتي، وبتقلب في حلة اللحمة بالخضار وكأنها صاحبة البيت!

أول ما شافتني، ابتسمت وقالت بمنتهى العادية: — ياااه... رجعتي بدري؟ بصيتلها وأنا مش مستوعبة، وقلت: — حضرتك بتعملي إيه هنا؟ قالت وهي بتقفل الحلة: — قولت أعدي أطمن عليكم... ولقيت المطبخ مكركب شوية، فرتبته، وبعدين دوقت الأكل. قربت من البوتاجاز، الحلة كانت لسه مكانها، سألتها: — دوقتيه؟ قالت وهي مكشرة: — أيوه... مليان بهارات وفلفل، هيجيب قرحة لابني. قولت أرميه وأعمله حاجة نضيفة لما يرجع.

اتجمدت مكاني... يعني هي بكل بساطة قررت ترمي أكلي! من غير حتى ما تستأذن! قولتلها وأنا بحاول أمسك أعصابي: — دي شقتي يا طنط... ومحدش يدخلها من غير إذني. بصتلي باستنكار، وقالت: — شقتك إيه يا بنتي؟ ده بيت ابني قبل ما يكون بيتك... وأنا داخلة بمفتاح معايا.

وقتها عرفت إن الكلام معاها ملوش أي فايدة، خرجت وهي بتتمتم: — الواحد يعمل خير يتقاله شر.

بالليل... رجع أحمد من الشغل، وحكيتله كل حاجة. كنت متوقعة يزعل، أو على الأقل يحس إن اللي حصل غلط، لكنه قال بمنتهى البرود: — يا ريم... أمي كانت بتساعدك. قولتله وأنا مصدومة: — تساعدني؟! دي رمت الأكل! دخلت البيت من غير ما أعرف! قال وهو بيتنهد: — خلاص يا ستي... متكبريش الموضوع.

حسيت وقتها إن المشكلة عمرها ما كانت في حماتي، المشكلة كانت إنه شايف كل اللي بتعمله عادي.

عدت كام يوم، وكل يوم كنت أرجع ألاقي حاجة متغيرة: مرة الستارة متبدلة، مرة الدولاب مترتب، مرة هدومي متنية بطريقة غير اللي بسيبها بيها... وأحمد، كل مرة يقول: — إنتي بتتخيلي.

لحد ما جه اليوم اللي رجع فيه من الشغل وسأل: — العشا فين؟ وقلتله: — دور عليه في الزبالة.

ونزل بنفسه يشوف، ولما لقى الحلة... بصلي وقال: — مين اللي عمل كده؟ قولتله بهدوء: — اسأل مامتك.

فضل باصصلي، واضح إنه لأول مرة بدأ يشك. لبس هدومه وخرج من غير كلمة، راح عند أمه. أول ما فتحتله الباب قال: — ماما... إنتي رميتي الأكل؟ ارتبكت ثانية، وبعدين قالت: — أيوه، ماهو كان مليان بهارات، وأنا خفت عليكم. قال وهو بيبصلها بصدمة: — يعني دخلتي شقتنا... ورميتي أكلنا... من غير حتى ما تستأذني؟ قالت بعصبية: — وأنا هستأذن علشان أدخل بيت ابني؟ قال: — لأ يا ماما... ده مبقاش بيتي لوحدي، ده بيتي أنا ومراتي.

وساعتها لأول مرة... شاف الحقيقة اللي كانت قدامه من زمان؛ أمه مكانتش بتساعد، كانت بتتحكم. مد إيده وقال: — المفتاح يا ماما. سكتت، وقالت: — ليه؟ قال بحزم: — علشان خلاص... مش هينفع حد يدخل بيتنا من غير إذن.

قعدت تعيط، وتفكره إنها سهرت عليه وربته، وإن مراته بعدته عنها، لكن المرة دي... أحمد مسمعش الكلام، فضل واقف مستني المفتاح، وبعد شوية... طلعته من شنطتها وحطته في إيده.

رجع البيت بعد نص الليل، لقيني قاعدة في الصالة، وعيني من كتر العياط بقت حمرا. وقف قدامي، وفتح كف إيده، كان فيها المفتاح، وقال: — ده آخر مفتاح كان بره بيتنا.

بصيتله من غير كلام، كمل وهو ندمان: — أنا ظلمتك، ولما قولتيلي إن حد بيدخل الشقة... قولت عليكي بتتخيلي، ولما زعلتي... سيبتك لوحدك، وأنا آسف.

أول مرة... حسيت إنه فعلًا فهم، مش علشان الأكل اترمى، لكن علشان فهم إن الزوجة لازم تحس بالأمان في بيتها، وإن البيت اللي بيدخله أي حد من غير إذن... عمره ما هيكون بيت.

بعدها بكام يوم... ركبنا كالون جديد، وغيرنا كل المفاتيح. ومن ساعتها... بقت الحاجة سعاد تيجي تزورنا، لكن بعد تليفون، وبعد ميعاد، وتخبط على الباب زي أي ضيف.

ولأول مرة... دخلت مطبخي، ولقيته زي ما سيبته، ولأول مرة من يوم ما اتجوزت... حسيت إن الشقة دي بقت بيتي بجد.

تم نسخ الرابط