مراتي كل ما ألمسها أو أسلم حتى عليها

لمحة نيوز

ما سمعتش ليها.. وقفلت قلبي بحجر، زقيتها جوة الأوضة والمخزن الضلمة، وقفلت الباب بالمفتاح وسحبت الكالون!

اللي حصل بعد الباب ما اتقفل.. كان كابوس بشع ما يروحش من بالي طول العمر. نورهان بدأت تصرخ بصوت هستيري يزلزل المكان. بقت تخبط على الباب بكل قوتها وتستنجد بيا: "أحمددد! طلعني يا أحمد، أبوس إيدك لاااااا.. لاااا طلعني هموت هموت مش قادرة أتنفس، عشان خاطر ابننا اللي في بطني طلعنيييي!".

كان صوت صريخها جايب آخر الشارع، صريخ كأن حد بياكل في جسمها حي. قلبي بدأ يتقطع، وحسيت إني ارتكبت جريمة، وقربت من الباب وجيت أطلع المفتاح عشان أفتح لها ودموعي نازلة، لكن أمي كانت واقفة على السلم ونزلت مسكت إيدي بقوة وقالتلي بغضب: "إياك! لو فتحتلها دلوقتي يبقى كل اللي عملناه راح على فاشوش! سيبها تصرخ لحد ما تجيب آخرها وتتربى.. هي ساعتين مش أكتر!".

فضل صريخ نورهان شغال، يعلى ويعلى.. لحد ما بدأ يضعف بالتدريج. بقت شهقاتها مخنوقة وبتستغيث بصوت ضعيف جداً: "يا أحمد... الحقني... أنا بموت... ابننا يا أحمد...".

وبعدين.. السكوت عم المكان تماماً!

عدت يجي أربع ساعات.. والهدوء جوة الأوضة بقى مرعب زي القبور. ما قدرتش أستحمل أكتر من كده، زقيت أمي بغضب وفتحت الباب بالسرعة كلها وتليفوني كشاف في إيدي.

أول ما فتحت الباب.. المنظر طعن قلبي في مقتل! نورهان كانت مرمية على الأرض الترابية وسط الكراكيب، قاطعة النفس، جلد إيدها ووشها متجرحين ومتقشرين من كتر ما كانت بتدعك في نفسها وتحك جسمها في الأرض وهي بتموت من الرعب.. وجسمها كان بينزف دم كتير غرق هدومها والأرض تحتها!

صرخت بأعلى صوتي: "نورهان!!!!"، شلتها بين إيديا كأنها ريشة، كانت ساقطة ومفيش أي استجابة منها. جريت بيها على السلم وأمي واقفة تتفرج وهي مصدومة ومذهولة ومش عارفة تنطق كلمة.

أخدتها في العربية وطلعت أطير بيها على أقرب مستشفى. دخلت بصرخ في الطوارئ: "الحقونااا! مراتي بتموت!". الدكاترة والممرضين جريوا وأخدوها مني على أوضة العمليات فوراً، وأنا فضلت واقف برة بتكوى بنار الندم.. أضرب نفسي مية جزمة، وببكي وبدعي ربنا إنها تقوم بالسلامة هي واللي في بطنها.

بعد ساعتين عصيبين، طلع الدكتور من الأوضة، كان وشه أصفر وملامحه غاضبة جداً. جريت عليه: "طمني يا دكتور! نورهان عاملة إيه؟! والولد؟!".

الدكتور قال بصوت صارم: "المدام للأسف أجهضت.. الطفل نزل، الواضح إنها اتعرضت لضغط نفسي شديد تسبب في انقباضات شديدة جداً في الرحم أدت لنزيف وإجهاض كامل. ده غير إنها دخلت في صدمة عصبية حادة، ولما فاقت لدقائق وعرفت إنها خسرت الطفل جاتلها حالة انهيار كامل وبقت تصرخ ومش راضية تخلي أي حد يقرب منها!".

الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. ركبي خارت وما قدرتش أشيل نفسي، قعدت على الأرض وبكيت بحرقة وأنا بصرخ: "ابني!! ضيعت ابني بإيدي! أنا موته!".

قعد الدكتور قدامي على الكرسي وبصلي بشك واستغراب وقال: "أنا عايز أفهم.. إيه اللي يوصل ست حامل للحالة دي؟ إيه اللي حصل معاها بالضبط؟ الست دي متجرحة كده ليه!".

دفنت وشي بين إيديا وبقيت أحكيله بحشرجة ودموع كل حاجة.. من أول نظافتها الهستيرية وشكوتي لأمي، لحد الفكرة الشيطانية وحبسها في المخزن.

الدكتور أول ما سمع كلامي، قام وقف وصرخ فيا ببهدلة شديدة: "أنت إنسان متخلف وجاهل! أنت وأمك ارتكبتوا جريمة في حقها! مراتك مش بتتدلع ولا بتستعبط.. مراتك مريضة بمرض نفسي شديد اسمه الوسواس القهري OCD! ده مرض مالهاش أي ذنب فيه، فكرة مجنونة بتهجم على دماغها بتجبرها تتصرف كده غصب عنها عشان تهدي التوتر اللي جواها! بتبقى حاسة إن الميكروبات هتموتها أو تموت اللي بتحبهم! بدل ما تاخدها لدكتور يتعامل معاها برحمة وعلم، بتروح تحبسها في مخزن زبالة وترعبها لحد ما تسقط وتفقد أهليتها النفسية؟!".

كلام الدكتور كان بيقطع في قلبي زي السكاكين. حسيت بأكبر ذنب في حياتي، وبقيت أترجاه وبقوله: "أنا جاهل أنا غبي! بس أرجوك ساعدني ازاي أخليها تتعالج، أنا مستعد أعمل أي حاجة!".

الدكتور أخد نفس طويل وقال: "أنا هحولكم فوراً لدكتور طبيب نفسي شاطر جداً صديقي، هو الوحيد اللي هيقدر يتعامل مع الحالة الصعبة دي.. بس المشكلة مش في العلاج، المشكلة في اللي أنت زرعته جواها!".

بعد يومين في المستشفى، أول ما أهل نورهان عرفوا باللي حصل، والدتها جات وشالتها من المستشفى فوراً. نورهان رفضت تماماً إنها تبص في وشي أو تسمع صوتي. أول ما كانت بتلمح خيالي من باب الأوضة، كانت بتتنفض وتصرخ وتغطي وشها وهي بتعيط بحرقة وتقول: "أبعدوه عني! هو اللي موت ابني!".

أمها أخدتها عندهم البيت، ونورهان كانت حاطة شرط واحد: مش عايزة تشوفني ولا تسمع اسمي تاني في حياتها، لأنها بقت بتشوفني أنا السبب في موت طفلها اللي كانت بتتمنى تشوفه، والسبب في أكبر جرح نفسي اتجرحته.

مرت الأيام والشهور، وأنا عايش في جحيم لا يطاق. بيتي بقى فاضي وبارد، وأمي ندمت بعد فوات الأوان لما شافت حسرتي وضياع حياتي.

الدكتور النفسي بدأ مع نورهان رحلة علاج طويلة.. أدوية وضبط لسلوكيات الوسواس وجلسات علاج نفسي مكثف. وأنا؟ أنا ما سبتهاش ولا يوم. كل أسبوع، في ميعاد جلستها عند الدكتور النفسي، بروح وأقعد في صالة الانتظار بعيد.. بس عشان أشوفها وهي داخلة أو طالعة. كانت بتعدي من قدامي كأني هواء، أو تبصلي بنظرة جافة مليانة وجع وعتاب وما تتكلمش معايا كلمة واحدة.

أمها كانت بتحاول تطردني، بس أنا كنت بفضل قاعد.. وبقولها: "مش همشي.. أنا غلطت وخربت بيتي بإيدي، وبدفع التمن كل ثانية، بس مش هستسلم".

الدكتور كان بيطمني من وقت للثاني ويقولي إنها بتبدأ تتحسن تدريجياً مع العلاج، والوسواس القهري بدأ يقل وتحكمها في أفكارها بقى أفضل، بس جرح قلبها مني هو اللي محتاج وقت أطول عشان يلتئم.

أنا لسه لحد النهاردة.. محروق بالندم، بروح كل جلسة، وبقف تحت بيت أهلها بالساعات، عايش على أمل واحد بس.. أمل صغير جداً إن نورهان في يوم من الأيام تخف تماماً، وقلبها يحن، وتسامحني على جهلي وقسوتي.. ونرجع لبعض ونبدأ حياتنا من جديد، وأعوضها عن كل لحظة وجع سببهالها غبائي.

تم نسخ الرابط