حماتي احتلت بيتي بقلـم حكايات منـال علي

لمحة نيوز

الابتسامة اختفت.

حواجبها اترفعت.

طلعت من الكيس:

كيس عيش ناشف، وتلات علب جبنة مثلثات من أرخص نوع، وكيس بلاستيك صغير فيه شوية طعمية باردة.. وتحتهم ظرف أبيض مقفول بحجم ورق ال A4.

​بصت للكيس، وبعدين بصتلي، وعينيها طالع منها شرار:

إيه ده يا سلمى؟!

رديت بكل برود وأنا بقلع الطرحة وبحط مفاتيحي على التربيزة:

ده فطار.

صوتها علي:

فطار مين ده يا حبيبتي؟! إنتي جايبة تلات علب جبنة لأربعتاشر بني آدم؟ وفين الفول والبيض واللبن؟ وفين اللحمة اللي قولتلك هاتيها للغدا؟!

​قرايبها بدأوا يتجمعوا ويبصوا للكيس.

خال أحمد بص للجبنة وقال:

هو في إيه يا سميحة؟ هو إحنا جايين نشحت هنا ولا إيه؟

حماتي وشها احمرّ من الإحراج، وزعقت فيا:

إنتي بتصغريني قدام أهلي وناسي؟ انزلي هاتي الطلبات اللي قولت عليها كلها وفلوسك هتاخديها من أحمد لما يرجع!

​ابتسمت ابتسامة هادية جدًا، وشاورت بإيدي على الظرف اللي لسه في الكيس:

اطلعي من حرجك يا حماتي وبصي في الظرف ده الأول.

بصت للظرف بشك.

مدت إيدها وطلعته، فتحته وطلعت الورق اللي جواه.

كانت ورقتين:

الورقة الأولى عقد مسجل وشهادة تصرفات عقارية أصلية بتثبت إن الشقة دي ملكية خاصة وحصرية ل سلمى عبد الحميد، وإن أحمد ملهوش فيها ولا حتى سنتيمتر واحد، ومكتوب فيها إن العقار تم شراؤه بفلوسي وفلوس والدي قبل الجواز بسنة.

والورقة التانية حجز رسمي في فندق تلات نجوم في شارع الهرم.. لخمس غرف لمدة 4 أيام، والفاتورة معمولة باسم أحمد ومطلوب سدادها عند الدخول!

​حماتي قرأت الورق، وعينيها كانت بتوسع مع كل سطر.

إيدها بدأت تترعش، وقالت بصوت مهزوز:

إيه... إيه الكلام الفارغ ده؟ الشقة دي شقة ابني أحمد! هو دافع ډم قلبه فيها!

ضحكت بصوت عالي:

ابنك؟ أحمد مفهمكم إن الشقة بتاعته؟

​بصيت للناس اللي واقفة ومبرقة:

أحمد اتجوزني ومحلتوش غير شنطة هدومه، وعفش الصالة اللي قسطه لسه مخلصش من سنتين وكنت بساعده فيه.. الشقة دي شقتي، بالورق والقانون وبفلوس شقايا وفلوس أبويا.

​الصالة كلها سكتت.

مبقاش مسموع غير صوت التكييف اللي كان شغال على 18.

خال أحمد اتنحنح وقال بإحراج:

يا سميحة... مش قولتيلنا دي شقة ابنك ملكه وواسعة وعازمنا نصيف ونغير جو عنده أسبوعين تلاتة؟

حماتي كانت ھتموت من الغيظ، وبصتلي بكره وقالت:

إنتي فاكرة نفسك هتذلينا بورقتين؟ أنا هكلم أحمد دلوقتي يجي يطردك في الشارع ويرميكي بره، وأهو هو حر في شقة مراته يدخل اللي هو عايزه!

​قلت لها:

كلميه.. أهو جاي في السكة.

وبالفعل، بعد خمس...

​قضيت أسبوع في بيت بابا.

أول يومين مكنتش قادرة أستوعب الهدوء.

مفيش دوشة في الصالة.

مفيش حد بيطلب شاي وسكر زيادة.

مفيش حد باصصلي كأني غريبة في بيتي.

كنت بنام وأصحى براحتي، والهدوء ده خلاني أفكر بعقل بارد لأول مرة من سنين.

أنا مكنتش زعلانة على الشقة، الشقة حقي وبالقانون ومحدش يقدر يقرب منها.

أنا كنت زعلانة على ست سنين عشتهم وأنا بقدّم تنازلات، وفاكرة إن السكوت هو اللي بيحافظ على البيوت.. لحد ما اكتشفت إن التنازلات لما بتزيد عن حدها، بتتحول لحق مكتسب عند اللي قدامك.

​في الأسبوع ده، التليفون مكنش بيبطل رن.

أول يومين، كانت حماتي هي اللي بتتصل ببابا، وصوتها كله زعاق وټهديد:

ابننا مش هيجري ورا بنتك.. وبنتك طردتنا وڤضحتنا قدام قرايبنا في البلد!

بابا كان بيرد عليها بجملة واحدة هادية جدًا:

بنتي ڤضحت الكدب يا ست سميحة، ومطردتش حد.. بنتي حجزت لأهلك فندق محترم على حسابها ودفعت تمن كرمكم المزعوم.. لما ابنك يعرف يعني إيه بيت وأصول يجي يتكلم معايا.

ويقفل السكة.

​بعدها بيومين، عرفت من قريبة لأحمد إن اللي حصل عمل قلبان في العيلة في البلد.

الناس اللي نزلوا الفندق، لما قعدوا وفهموا الحقيقة وعرفوا إن سميحة كدبت عليهم وقالتلهم إن الشقة ملك أحمد وإنه عازمهم، اتكسفوا جدًا من نفسهم ولاموها هي.

خال أحمد قالها في وشها قدام الكل:

إنتي صغرتينا وصغرتي ابنك عشان منظرة كدابة.. البنت كان عندها ألف حق، إحنا اللي دخلنا بيت مش بيتنا من غير استئذان صاحبته.

​الكدبة اللي بنتها سنين، اتفرتكت في ليلة واحدة.

في اليوم الخامس، جرس باب بيت بابا رن بعد صلاة العشا.

أخويا محمود فتح الباب.

كان أحمد.

بس مكنش أحمد بتاع كل يوم.. كان شكله مجهد، خاسس، وعينيه تايهة.

قعد في الصالون، وبابا دخل قعد قصاده، وأنا كنت واقفة ورا باب الصالة سامعة كل كلمة.

أحمد فضل ساكت دقيقة كاملة باصص في الأرض، وبعدين رفع عينه لبابا وقال بصوت مكسور:

أنا عارف إني غلطت يا عمي.

بابا رد بهدوء:

غلطت في إيه يا أحمد؟ عشان تكون عارف إنت جاي تعتذر عن إيه بالظبط.

أحمد قال:

غلطت إني استسهلت سكوت سلمى، وسمحت لأمي تدوس على حقها عشان مكسرش خاطر أمي.. نسيت إن الراجل ميبقاش راجل إلا لما يحمي بيته ويعدل بين أهله ومراته. أنا كنت فاكر إني بكبر أمي، طلعت بصغرها وبصغر نفسي وبكسر مراتي اللي شايلاني بقالها سنين.

​بابا سكت، وبص ناحيتي وشاورلي أدخل.

دخلت وقعدت.

أحمد أول ما شافني، عينه لمعت بالدموع.

طلع علبة صغيرة من جيبه، وحط الدبلة بتاعتي على الترابيزة قدامي.

سلمى.. أنا روحت لأمي وفهمتها إن اللي حصل ده خط أحمر ميتكررش تاني في حياتي، وغيرت كالون الشقة بايدي ومحدش معاه نسخة غيري أنا وإنتي. وقولتلها إن بيتي ليه حرمته، وإنك خط أحمر.. زعلت يومين، بس فهمت.

تم نسخ الرابط