طلقني وساب ولاده حكايات منــال عـلـي
الجزء الثاني
أول ما سألت سؤالي، المحل كله سكت.
"هي الفيزا دي فيها رصيد فعلًا؟ ... ولا زي آخر مرة قلتلي معيش أصرف على عيالي؟"
هو بصلي بنظرة كلها غضب، كأنه بيقوللي اسكتي. أما خطيبته، فلفت تبصله بسرعة وقالت باستغراب:
"إيه؟ هي تقصد إيه؟"
بلعت ريقي، وكنت هعدي الموقف، لكن هو سبقني وقال وهو بيضحك ضحكة مصطنعة: "سيبك منها... دي بتهزر."
بصيتله في هدوء وقلت: "أنا عمري ما بهزر في الشغل."
خطيبته بدأت ملامحها تتغير، وبصتلي وقالت: "حضرتك تعرفيه؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها وجع السنين وقلت: "آه... أعرفه كويس."
هو اتوتر، وقال بسرعة: "يلا يا حبيبتي، خلينا نمشي."
لكن البنت مكانتش فاهمة. قالتله: "استنى... هي تعرفك منين؟"
بصيت لها وقلت بكل احترام: "أنا صاحبة المحل... وكمان أنا طليقته."
البنت اتجمدت مكانها. ولثواني، ملامحها فقدت كل الابتسامة اللي كانت على وشها من أول ما دخلت. بصتله، وهو حاول يهرب بعينيه بعيد. قالت بصوت واطي: "إنت ما قلتليش إن المحل بتاع مراتك السابقة."
رد بسرعة: "مالوش لازمة الكلام ده دلوقتي."
لكنها كملت: "وهي كانت بتتكلم عن الأولاد... إيه حكاية الأولاد؟"
أنا سكت. لأن دي مش معركتي. ولا عمري كنت أحب أحرج حد. حتى لو هو استاهل. لكنه، كعادته، اختار أسهل طريق. قال وهو بيبصلي بغضب: "هي بتحاول تعمل مشاكل وخلاص."
ضحكت ضحكة قصيرة وقلت: "مشاكلي معاك خلصت من يوم الطلاق... لكن حق ولادك لسه مخلصش."
الكلمة دي وقعت عليه زي الحجر. وخطيبته بقت تبص بينا الاتنين، وكل ثانية بتعدي كانت الشكوك بتكبر جواها. في اللحظة دي، جهاز الدفع الإلكتروني أصدر صوت.
"العملية مرفوضة."
بصيت للشاشة. وحاولت مرة تانية. وبرضه...
"العملية مرفوضة."
رفعت عيني ليه. قلت بهدوء: "واضح إن الفيزا مفيهاش رصيد كفاية."
وشه احمر. ومد إيده بسرعة ياخد البطاقة. وقال بصوت عالي شوية: "أكيد عطل في الجهاز."
قلت: "ممكن... جرب بكارت تاني."
فضل يفتش في محفظته. طلع كارت تاني. وجربناه. ونفس النتيجة. رفض.
خطيبته بدأت تبعد عنه خطوة. وقالت باستغراب: "إنت قولتلي إن كل حاجة جاهزة... وإن الفلوس متوفرة."
هو اتلعثم. وأول مرة من ساعة ما دخل المحل... حسيت إنه مش لاقي كلام يقوله. أما أنا... فكل اللي كان في دماغي وقتها، مش المية ألف جنيه... ولا الموقف... ولا حتى شماتة. كل اللي افتكرته... كان وش ولادي وهما بيسألوني من كام شهر: "ماما... بابا ليه عمره ما بيسأل علينا؟"
وفي اللحظة دي بالذات... رن تليفونه. بص للشاشة... واتغير لون وشه فجأة. اتردد يرد. لكن لما شاف اسم المتصل... عرفت من ملامحه إن المكالمة دي... ممكن تقلب اليوم كله.
الجزء الثالث والأخير
فضل يبص للتليفون ثواني، كأنه محتار يرد ولا لأ. لكن الرنة فضلت مستمرة. اضطر يرد.
أول ما حط التليفون على ودنه، ملامحه اتغيرت. كان بيحاول يتكلم بصوت واطي، لكن المحل كان هادي، وقدرت أسمع جزء من الكلام. إزاي؟... دلوقتي؟... طيب أنا جاي. قفل المكالمة بسرعة، وحاول يمثل إن مفيش حاجة حصلت. لكن خطيبته كانت بدأت تفقد ثقتها فيه.
قالتله: مين؟
قال بتوتر: شغل.
بصتله وسألته: من إمتى شغلك بيتصل بيك بالطريقة دي؟
ما ردش. أنا كنت واقفة مكاني، لا فرحانة ولا شمتانة. الغريب إن بعد كل اللي عمله فيا، ما تمنيتش أشوفه مكسور. كنت بس عايزة حق ولادي... وبس.
قلت للعامل: رجّعوا البضاعة مكانها. بدأ العمال يشيلوا الكراتين واحدة واحدة.
وخطيبته كانت واقفة تبص، وكل كرتونة بترجع مكانها كانت كأنها بتاخد معاها جزء من الصورة الوردية اللي رسمها لها. وفجأة قالتله: أنا عايزة أسألك سؤال... وجاوبني بصراحة. سكت.
قالت: هي قالت إن عندك ولاد... وإنك بقالك سنين ما بتصرفش عليهم... ده حقيقي؟
فضل ساكت. ودي كانت أول إجابة. كررت السؤال تاني. حقيقي؟
نزل راسه وقال: كان فيه ظروف.
ضحكت ضحكة حزينة وقلت: الظروف دي كانت تمنعك تشتري كراسة لابنك... لكنها ما منعتكش تجهز بيت جديد بمية ألف جنيه؟
خطيبته بصتله بصدمة. وقالت: إنت قولتلي إن طليقتك كانت رافضة تاخد منك أي فلوس... وإنها مش محتاجة.
بصيت لها بهدوء وقلت: أنا فعلًا ربنا كرمني، وعرفت أصرف على ولادي... لكن ده عمره ما كان معناه إن أبوهم يتخلى عن مسؤوليته.
سكتت شوية، وكملت: الفلوس عمرها ما كانت أكبر وجع... الوجع الحقيقي إن الولد يحس إن أبوه نسيه.
الكلام وقع في قلبها. رفعت دبلة الخطوبة من صباعها، وحطتها في إيده. وقالت بصوت ثابت: اللي يقدر ينسى ولاده... هيجي يوم وينسى أي حد.
لفت ناحيتي وقالت: أنا آسفة... مكنتش أعرف الحقيقة. خرجت من المحل. وسابته واقف لوحده.
فضل يبصلها وهي ماشية، وبعدها بصلي. أول مرة أشوف في عينه إحساس بالهزيمة. قال بصوت مكسور: أنا غلطت.
قلت بهدوء: الغلط بيتصلح... لكن مش بالكلام.
سألني: تفتكري ولادي ممكن يسامحوني؟
بصيتله لحظة. وافتكرت ولادي وهم مستنيين كل عيد رسالة ما بتجيش... وكل عيد ميلاد مكالمة ما بتحصلش. قلت: أنا مش اللي أجاوب على السؤال ده. روح لهم... ولو فعلًا ناوي تتغير، أثبت لهم ده بالأفعال... مش بالوعود.
نزل راسه ومشي. بعد أسبوع... اتفاجئت إنه بعت حوالة بمصاريف الأولاد لأول مرة من يوم الطلاق. وبعدها بيومين، طلب يشوفهم. ما ضغطتش عليهم. قلت لهم الحقيقة. وقلت القرار قراركم.
ابني الكبير قال: إحنا هنقابله... بس علشان نعرف هو فعلًا اتغير... ولا دي زيارة وخلاص.
في اللحظة دي... حسيت إن ولادي كبروا قبل سنهم بسنين. قفلت المحل آخر اليوم، وبصيت حواليّا. افتكرت اليوم اللي دخل فيه يجهز بيت جديد، وهو فاكر إن الفلوس تقدر تشتري بداية جديدة.
لكن الحقيقة... إن الإنسان ممكن يشتري أثاث بيت كامل... بس عمره ما يقدر يشتري ثقة كسرها بإيده. تمت.