ترقية زوجي

لمحة نيوز

طلعت مريم هي اللي كانت مستحقة السكن بعد ترقيتها. الكلمات وقعت على نادية كأنه صفعة.
بعدها بأيام، اتنقلت أنا لمقر احتفال التكريم. دخلت القاعة ببدلة رسمية بسيطة. ما كنتش متوقعة إن فيه شخص من الماضي هيكون موجود. لكن وأنا واقفة مع الفريق، لمحت أحمد في آخر القاعة. كان جاي مع بعض الموظفين من الإدارة.
لما شافني، وقف. أنا ما ارتبكتش. بعد انتهاء التكريم، قرب مني. قال مبروك. الله يبارك فيك. سمعت عن نجاح المشروع. الحمد لله. فضل ساكت. وبعدين قال أمي عايزة تكلمك. بصيت له ليه؟ مش عارف. مش محتاجة. اتنهد مريم، هي ندمانة. قلت الندم حاجة تخصها. هي عايزة تعتذر. سكت شوية. وبعدين قلت أنا مش شايلة منها حاجة. قال يعني ممكن تسامحيها؟ بصيت له بهدوء أنا سامحتها من زمان. اتصدم بجد؟ آه. بس المسامحة مش معناها إني أرجع لنفس المكان.
بعد أسبوع، وصلني خطاب رسمي. تم اعتمادي ضمن الفريق القيادي للمرحلة التالية من المشروع. كنت قاعدة في مكتبي لما دخل زميلي كريم، مهندس في الفريق. قال مريم، الإدارة بعتت القرار. قريته. وسكت. قال كريم مبروك. ابتسمت شكرًا. قال إنتِ تستاهلي. الجملة دي كانت مختلفة. لأنها ما كانتش طالبة مني حاجة. ولا فيها ضغط. ولا فيها ابتزاز عاطفي. مجرد اعتراف بمجهودي.
ومع الوقت، بدأت علاقتي بزملائي تقوى. كريم كان محترم جدًا، هادي، ومش بيحاول يفرض نفسه. كان دايمًا بيشجعني على أفكاري. وفي يوم، بعد اجتماع طويل، خرجنا سوا من مبنى الإدارة. كانت الشمس بتغيب خلف الجبال. قال لي تعرفي؟ إيه؟ أول مرة شوفتك فيها، كنت فاكر إنك شخصية صعبة. ضحكت ليه؟ علشان مبتسكتِيش لما تكوني مقتنعة بحاجة. قلت دي مشكلة؟ ابتسم بالنسبة لي؟ لأ.
مشيت جنبه. لأول مرة من سنين، ما كنتش خايفة من فكرة إن حد جديد يدخل حياتي. لأنني ما بقيتش محتاجة حد علشان يكملني. لو حد دخل حياتي، لازم يضيف لها. مش ياخد منها.
بعد مرور عام كامل، رجعت القاهرة في إجازة قصيرة. وأنا خارجة من المطار، لقيت أختي مستنياني. حضنتني وقالت إيه يا مهندسة؟ بقيتي شخصية مهمة أوي! ضحكت بلاش كلام كبير. قالت لا، بجد. إنتِ اتغيرتي. سألتها للوحش؟ هزت راسها لأ. بقيتي شبه نفسك. الكلمة دي خلتني أسكت. يمكن دي كانت أكتر حاجة حقيقية اتقالت لي. أنا فعلًا بقيت شبه نفسي.
بعدها بيوم، وأنا ماشية في شارع قريب من بيتنا القديم، شفت أحمد بالصدفة. كان واقف قدام محل. لما شافني، اتفاجئ. قرب. مريم. أهلًا. قال عاملة إيه؟ كويسة. المشروع؟ نجح. ابتسم بحزن كنت عارف إنك هتنجحي. سكت. ثم قال أنا اتعلمت حاجات كتير بعد ما مشيتي. بصيت له زي إيه؟ قال إن الزوجة مش ملك لجوزها. سكت. وإن أمي مش من حقها تتحكم في حياتنا. وسكت مرة تانية. وإن السكوت على الظلم مش حياد.
كلامه كان صادق. المرة دي، حسيت بده. لكن الصدق ما بيغيرش الماضي. قلت له أتمنى تكون اتعلمت فعلًا. قال وأتمنى تكوني سعيدة. ابتسمت أنا سعيدة. ولأول مرة، ما كنتش محتاجة أضيف أي كلمة. مشيت. وما بصتش ورايا.
بعد فترة، اتبعت لي دعوة لحضور مؤتمر كبير عن المشاريع الهندسية القومية. دخلت القاعة. وعلى الشاشة الكبيرة كان اسمي مكتوبًا ضمن أعضاء الفريق الرئيسي للمشروع. وقفت قدام مئات الأشخاص. اتكلمت عن المشروع. عن الفشل. عن المحاولات. عن الليالي الطويلة. وعن أهمية إن الإنسان يفضل متمسك بهدفه حتى لو اللي حواليه مش فاهمينه.
بعد انتهاء كلمتي، التصفيق ملأ القاعة. وقتها، لمحت في الصفوف الخلفية شخصًا أعرفه. كانت نادية. جات من غير ما تبلغني. كانت قاعدة بهدوء. ولما عيني جت في عينها، وقفت. ما قالتش حاجة. بس حركت رأسها بحركة صغيرة. يمكن كانت اعتذارًا. يمكن اعترافًا. ويمكن مجرد تحية. أنا رديت بنفس الحركة. وبعدين رجعت بصيت قدامي.
انتهى الماضي. مش بالانتقام. ولا بالإهانة. لكن بأنني لم أعد أحتاج منه شيئًا.
بعد المؤتمر، خرجت للشارع. كانت القاهرة بالليل مختلفة. اتصل بي كريم. وصلتي؟ لسه خارجة. عايز أسألك سؤال. ضحكت اتفضل. قال لما ترجعي المشروع، ممكن نتكلم في حاجة مهمة؟ حاجة تخص الشغل؟ لأ. سكت. ثم قال تخصنا إحنا. ابتسمت من غير ما يحس. قلت لما أرجع، نتكلم.
قفلت المكالمة. وقفت لحظة قدام مبنى المؤتمر. رفعت عيني للسماء. وافتكرت الورقة المختومة اللي بدأت منها كل الحكاية. القرار اللي في يوم من الأيام كنت فاكرة إنه هيهدم حياتي. طلع هو نفسه الباب اللي خرجت منه لحياة جديدة. لو كنت تراجعت يومها لو كنت خفت لو كنت صدقت إن نجاحي لازم يكون على حساب زواجي يمكن كنت فضلت في نفس المكان.
لكنني اخترت نفسي. واكتشفت إن اختيار النفس مش معناه إنك تكره الناس. ومش معناه إنك تنتقم من اللي أذاك. أحيانًا اختيار نفسك معناه بس إنك تقول كفاية. وبعدين تمشي. تمشي من غير ما تستنى تصفيق. ومن غير ما تستنى اعتذار. ومن غير ما تستنى حد يقول لك إنك تستحق حياة أفضل. لأنك في اللحظة دي بتكون عرفت الحقيقة بنفسك.
أنا مريم. كنت زوجة أحمد. وبقيت طليقته. لكن قبل كل ده، وبعد كل ده أنا مهندسة. أنا إنسانة عندها حلم. وأنا أخيرًا بقيت صاحبة القرار في حياتي.
وفي مكان بعيد عن القاهرة، تحت سماء مليانة نجوم، كان مشروع نجم الشمال بيواصل نجاحه. أما أنا فكنت على وشك بداية قصة جديدة. قصة مش هبدأها بخوف. ولا بتنازل. ولا بشرط إن الطرف التاني يرضى عني. هبدأها وأنا عارفة قيمتي. ولو دخل شخص جديد حياتي يومًا ما، مش هيكون علشان ينقذني. لأني خلاص أنقذت نفسي بنفسي.
ملاحظة هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.

تم نسخ الرابط