إنتِ خطفتي ابني مني حكايات منــال عـلـي

لمحة نيوز

ريم ما ردتش. فتحت الدرج اللي تحت الدولاب، وبدأت تطلع الشرابات، والتيشيرتات، والملابس الداخلية، وتحطهم في الشنطة واحدة واحدة. كل حركة كانت هادية... لكن كل قطعة هدوم كانت كأنها بتقفل باب من أبواب جوازهم.

حماتها ابتسمت بشماتة وقالت: ـ "شوفت يا كريم؟ أهو اعترفت إنها غلطانة. سيبها تهدى وهترجع تعتذرلك."

وقفت ريم، وبصتلها لأول مرة. ـ "لا يا طنط... حضرتك فهمتيني غلط." سكتت لحظة... وقالت بابتسامة هادية جدًا: ـ "أنا معترفة إن حضرتك عندك حق في حاجة واحدة بس..."

اتعدلت الست في وقفتها. ـ "إيه هي؟" ـ "إن ابنك مكانه الحقيقي... مع أمه."

ساد الصمت. حتى كريم حس إن قلبه وقع. ـ "يعني إيه؟!"

قفلت ريم الشنطة نص قفلة، وبصت له. ـ "يعني أنا تعبت." ـ "تعبت من إيه؟"

ضحكت ضحكة قصيرة، كلها مرارة. ـ "بجد بتسأل؟" أشارت بإيدها على الشقة. ـ "مين اللي بيدفع القسط؟" سكت. ـ "مين اللي بيدفع الكهربا والغاز والنت والمية؟" برضه سكت. ـ "مين اللي كل يوم ينزل الشغل من الصبح، ويرجع يطبخ، ويغسل، ويرتب، ويحاسب على المصاريف؟"

بدأ كريم يبص في الأرض. أما حماته فقاطعتها بسرعة. ـ "وده واجب الزوجة!"

بصتلها ريم وقالت بهدوء: ـ "تمام... وواجب الزوج إيه؟" الست اتلخبطت. ـ "هو... هو بينزل شغله."

ابتسمت ريم. ـ "وأنا كمان بنزل شغلي... وبقبض أكتر منه كمان." وش كريم احمر. دي أول مرة حماته تعرف الحقيقة دي.

بصت له بسرعة. ـ "يعني إيه؟ إنت مش قولتلي إن مرتبك أعلى منها؟!" ابتلع ريقه. ـ "...كنت... يعني... الفرق بسيط."

ريم هزت راسها. ـ "الفرق مش بسيط يا كريم." سحبت نفس طويل. ـ "أنا كنت بدفع كل حاجة تقريبًا... وإنت كنت بتحوش فلوسك عشان كل شوية تشتري قطعة لعربيتك اللي مركونة في الجراج بقالها سنتين."

حماته اتكلمت بعصبية. ـ "ما هو حر في فلوسه!" ـ "طبعًا حر." ردت ريم بابتسامة. ـ "بس طالما هو حر في فلوسه... يبقى أنا كمان حرة في بيتي."

كريم قرب منها بسرعة. ـ "طيب خلاص... أوعدك هتغير." بصتله. ولأول مرة شاف في عينيها حاجة عمره ما شافها... اللامبالاة. لا دموع... ولا غضب... ولا حتى زعل. وكأنها شطبته من قلبها من زمان.

ـ "هتتغير؟" هز راسه بسرعة. ـ "أيوه... والله." ـ "زي آخر مرة؟" سكت. ـ "ولا اللي قبلها؟" فضل ساكت. ـ "ولا قبلها لما وعدتني إنك هتبطل تحكي كل تفاصيل بيتنا لمامتك؟"

حماته انفجرت. ـ "وأمال يحكي لمين؟! أنا أمه!" ضحكت ريم. ـ "أيوه... وأنا كنت فاكرة إني مراته."

سكتت لحظة... وبعدين قالت الجملة اللي نزلت عليهم كالصاعقة: "أنا مش بطلق جوزي النهارده... أنا برجع ابن لحضن أمه."

كريم حس إن رجليه مش شايلينه. أما أمه... فأول مرة ملامح الانتصار اختفت من وشها. لأنها بدأت تستوعب إن اللي كانت فاكرة إنه انتصار... ممكن يكون أكبر خسارة في حياتها.

الجزء الثالث والأخير

فضل كريم واقف مكانه، وعينه بين ريم وأمه، كأنه لأول مرة يشوف الحقيقة من غير ما حد يجمّلها. بلع ريقه وقال بصوت مهزوز: ـ "ريم... أرجوكي... متعمليش كده. أنا بحبك."

ابتسمت ابتسامة هادية. ـ "يمكن... بس عمرك ما احترمتني." مد إيده يمسكها. لكنها رجعت خطوة لورا. ـ "الحب من غير احترام بيتحول لعبء... وأنا شلت الحمل ده أربع سنين."

حماته قربت منها وهي بتزعق: ـ "يعني هتطردي جوزك من بيته؟!"

ردت ريم بمنتهى الهدوء: ـ "لا يا طنط... ده مش بيته." طلعت ملف من درج الكونسول اللي جنب الباب، وحطته قدامها. ـ "عقد الشقة باسمي... واتشرت قبل الجواز بسنتين. وكل قسط فيها أنا اللي دفعته."

بص كريم للأرض. كان عارف إنها بتقول الحقيقة. ـ "لكن... أنا عشت هنا أربع سنين." ـ "وعشتهم مرتاح... لأن في حد كان شايل كل حاجة عنك." سكتت لحظة، وبعدين زودت: ـ "وأنا خلاص تعبت."

سحب نفس طويل وقال: ـ "طيب... هتسامحيني لو اتغيرت؟" هزت ريم راسها بالنفي. ـ "التغيير الحقيقي بييجي قبل ما تخسر اللي قدامك... مش بعده."

أمه مسكت دراعه. ـ "يلا يا كريم... سيبها. هترجع تزحفلك بعد كام يوم." ريم ضحكت لأول مرة من قلبها. ـ "يمكن... بس مش في الحياة دي."

سكتت العمارة كلها. وكأن حتى الجيران مستنيين النهاية. ريم فتحت الباب... وشاورت على شنطة السفر. ـ "اتفضل يا كريم."

بص للشقة... للركنة اللي كان بينام عليها بالساعات... للتليفزيون... للمطبخ... وبعدين بص لريم. كان مستني منها دمعة... نظرة ضعف... أي إشارة تخليه يتمسك بأمل. لكن كل اللي شافه... ست أخيرًا قررت تختار نفسها.

حنى راسه، وشال الشنطة. وأول ما خرج هو وأمه... قالت ريم بهدوء: ـ "المفتاح لو سمحت." طلع سلسلة المفاتيح من جيبه، وحطها على الرف. صوتها وهي خبطت في الخشب كان كأنه آخر سطر في جوازهم.

خرج... وقفلت الباب وراه. لفت المفتاح مرتين. وسندت ضهرها على الباب. لأول مرة من سنين... البيت كان هادي. مفيش صوت ماتش كورة شغال في الخلفية... ولا حد بينادي: "ريم... فين الشراب الأسود؟" ولا تليفون أمه اللي ما كانش بيسكت.

مشت ناحية المطبخ. بصت على الشوربة اللي كانت على النار. ابتسمت. قفلت البوتاجاز... وسكبتها في الحوض. مش لأنها زعلانة... لكن لأنها أدركت إن مفيش حد بقت مضطرة تطبخله.

فتحت التلاجة. طلعت زجاجة واين كانت محتفظة بيها من عيد ميلادها اللي فات، وما شربتهاش وقتها عشان كريم كان بيقول إنه بيكره ريحتها. صبت لنفسها نص كوباية. وقطعت حتة من الجبنة المستوردة اللي كانت نفسها فيها من زمان، لكنه كان دايمًا يقول: "إيه القرف ده؟!"

وقفت قدام البلكونة. وفي نفس اللحظة شافت كريم وأمه خارجين من باب العمارة. أمه ماشية قدامه وهي لسه بتتكلم من غير ما تسكت. وهو... ماشي وراها، بيجر شنطة السفر على الأسفلت. مرة واحدة بس... لف وبص على البلكونة. يمكن كان مستني يشوفها واقفة. أو تندم. أو تنادي عليه.

لكن ريم كانت خلاص قفلت الصفحة. قفلت البلكونة... ورجعت جوه. مسكت تليفونها. واتصلت بصاحبتها اللي بقالهم شهور ما اتقابلوش. ـ "ألو يا سارة؟ عاملة إيه؟" سكتت ثانيتين... وبعدين ضحكت وقالت: ـ "إلبسي بسرعة... هنتعشى بره النهارده." ـ "وكريم؟"

ابتسمت ريم وهي بصت حواليها. ـ "كريم رجع المكان اللي كان نفسه فيه من الأول... عند أمه."

أنهت المكالمة، ولفت تبص للشقة. كانت فاضية... لكن لأول مرة... حست إنها مليانة راحة. ضحكت وهي بتقول لنفسها: "البقعة اللي على السجادة هتطلع في ربع ساعة... إنما السنين اللي ضاعت، هتعوضها من النهارده."

وخارج الشباك، كان المطر بينزل بهدوء... يغسل شوارع المدينة... ويعلن بداية فصل جديد... الفصل اللي بطلته أخيرًا اختارت نفسها.

تمت.

تم نسخ الرابط