مفاجأه عالعشا

لمحة نيوز

​حطيت الصينية في نص القعدة، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقلت بصوت واضح يسمعه الكل: «منورين يا جماعة، والله البيت نور بوجودكم كلكم.. أهلي وسندي، وأهل جوزي وعلى راسي من فوق. طبعاً أنتوا مستغربين العزومة ومستغربين الصينية دي فيها إيه.. بس أنا جمعتكم عشان أحسب حسابات قدامكم كلكم، وعشان أدي كل ذي حق حقه».

​حمايا بصلّي باستغراب وقال: «حسابات إيه يا بنتي؟ خير في إيه يا أم مروان؟»

​عصام جيه يقف وهو وشّه جايب ألوان، وقال بنبرة تحذير مكتومة: «إنتي بتعملي إيه يا هنا؟ اقفلي الموضوع ده ودخلي الصينية جوة!».

​رديت عليه ببرود أبرد من الثلج: «ليه يا أبا مروان؟ مش إنت اللي قلتلي إمبارح إننا لازم نقسم كل حاجة بالنص؟ ومش إنت اللي قلت إن المرتبات لازم تتقسم بالعدل والواجبات تنحسب بالورقة والقلم؟ أنا بس بنفذ كلامك!».

​أمي وأبويا بصوا لبعض بقلق، وحماتي شكلها بدأ يتغير وقالت: «في إيه يا عصام؟ في إيه يا بنتي فهمونا؟».

​أخدت نفس عميق وشيلت أول ظرف من الصينية ووجهت كلامي لسلفتي وشقيقة عصام: «ده ظرف ليكي يا روضة.. إمبارح عصام كان متضايق جداً إن أختي جابتلي هدية الموبايل عشان خدمتني في النفاس، وقال إن أخته أولى بالهدية دي.. الظرف ده فيه المبلغ اللي كُنت هجيب بيه الموبايل ليكي، بس أنا مش هجيب الموبايل بنفسي.. أخوكي الكبير أهو موجود، يسلمك الفلوس من جيبه ويجيبهولك بنفسه عشان يبقى صاحب الفضل».

​روضة اتكسفت جداً وحطت عينها في الأرض وقالت: «إيه الكلام ده يا أم مروان؟ أنا ما طلبتش حاجة والله، وعصام مالوش حق يقول كده!».

​شيلت الظرف التاني ومسكته وبصيت لحمايا وحماتي وقلت: «وده ظرف فيه فواتير وقيم كل القرش اللي أنا صرفته على البيت من مرتب خاص بيا طول سنتين جواز.. عصام إمبارح اتهمني إن مرتب طالع للشارع ولأهلي بس، ونسي إن الشاشة اللي في الصالة، والتلاجة الجديدة، والفلوس اللي دفعتها معاه في القسط، كل ده كان من مرتبي عشان أساعده.. بس بما إنه قرر إن السايب سايب وإن مساهمتي دي مش مقدرة، فأنا بعرض عليه يشتري نصيبي في العفش والأجهزة بالتقسيط، أو يديني الفلوس كاش، عشان من النهاردة أنا مش هتدفع المليم في بيت مش بيحفظ جملي».

​القعدة كلها سكتت.. السكوت كان يرعب! أبويا اتعدل في قعدته ووشه بقى أحمر من الغضب، وبص لعصام وقال بصوت زي الرعد: «الكلام ده حصل يا عصام؟ إنت بتقول لمرتك مرتبك مش ليكي وبتحاسبها على هدية جابتها لأختها من مالها الخاص؟».

​عصام كان واقف مش عارف يرد، ريقه جف ولسانه اتعقد.. حاول يلم الموضوع وقال بتلعثم: «يا عمي.. الكلام مش كده.. هي تكبر الموضوع وعاملة تمثيلية أمامكم عشان..».

​قطعت كلامه بصوت قوي بس من غير ما أزعق: «لا مش تمثيلية يا عصام.. إنت إمبارح قلتلي "انسى أهلك من هنا ورايح".. وقلتلي إن أختي اللي شالتني أربعين يوم وشالت ابنك وحرمت نفسها من كليتها وصحابها عشان تخدمني وتخدم ابنك، ده واجب عليها وما تستاهلش حتى كلمة شكراً ولا هدية يفرح قلبها.. قلتلي ده واجب عشان أختك! فأنا أردت أوريك الواجب بجد».

​شيلت الظرف الأخير وحطيته قدام حماتي وقلت: «وده يا طنط فلوس العزومة بتاعت النهاردة.. عصام إمبارح قطع المصروف وقالي اصرفي على البيت وابنك من النهاردة لآخر الشهر.. أنا عزمتكم وجبت أنضف أكل من مالي الخاص، ومش حسرة فيكم، أنتوا أهلي وحبايبي ودايماً على راسي.. بس العزومة دي مش عشان أراضيه زي ما هو فاكر.. العزومة دي كانت عزومة وداع لكل نقطة تساهل أنا عملتها في حياتي».

​حماتي وقفت ومسكت إيد عصام وزقتها وقالتله بغضب: «خسارة فيك التربية يا عصام! بقى البنت الشريفة العفيفة اللي شايلة بيتك ومساعداك في لقمة العيش تقولها الكلام ده؟ عشان جابت لأختها اللي خدمتك وخدمت ابنك هدية؟ بدل ما تروح تبوس رأس أختها وتجيب لها هي الهدية بنفسك؟».

​حمايا وقف ومسك عصام من ياقة قميصه وقال: «أنا ما ربيت راجل يحاسب مرته على مالها ولا يقلل من أهلها اللي شالوا ابنه! إنت تطلع دلوقتي تعتذر لمرتك وأهلها قدامنا كلنا، والفلوس اللي قطعتها عن البيت ترجع وتتضاعف، ومرتك مالكش دعوة بمرتبها قرش واحد، تصرفه زي ما هي عاوزة!».

​عصام كان بصص للأرض، الكبرياء والغرور اللي كانوا راكبينه إمبارح اتمحوا تماماً.. كان فاكر إن صمتي إمبارح ضعف وإن لما يقطع المصروف هجري وراه وأترجاه يسامحني، ما كانش يعرف إن السكوت ساعات بيبقى الترتيب لرد يكسر عين الظالم.

​أبويا وقف ومسك إيدي وقال: «تنسي أهلك يا عصام؟ ده إحنا اللي هننسوك أصلك لو فكرت تضايقها تاني! ياللا يا بنتي، لمي هدومك وابنك وتعالي معانا، ولما يعرف قيمة بني آدمة صاينته وصاينة بيته يبقي يجي يتكلم مع الرجال».

​عصام اتخض وركض ناحية أبويا ومسك إيده وقال بلهفة: «حاسب يا عمي، والله ما أقصد.. أنا كنت متضايق من الضغط والفلوس والواحد كان أعصابه تعبانة.. حقك عليا يا أم مروان، وحقكم عليا كلكم.. أنا آسف وغلطان من ساسي لراسي».

​بصيتله وقلتله بثبات: «الأسف مش هيغير اللي اتقال يا عصام.. أنا هفضل في بيتي، ومش همشي لأن البيت ده أنا تعبت فيه بأكلي وعرقي أكتر منك.. بس القواعد اتغيرت.. مرتبك يسد البيت وابنك وليا مصروفي الشخصي، ومرتبي ماليش دعوة بيه تسألني صرفتيه في إيه، وأهلي خط أحمر.. أختي اللي شالتني تحترمها وتجلها زي ما أنا بحترم أهلك.. لو موافق على الشروط دي قدام أهلك وأهلي، كملنا.. مش موافق، الباب يفوّت جمل».

​عصام بص لأبوه وأمه وشاف في عينيهم الخزي منه، وبص لأبويا وشاف الجدية، ورجع بصلي وشاف ست تانية خالص غير اللي كانت بتتساهل وتعدي.

​هز رأسه بسرعة وقال بصوت واطي: «موافق.. كل اللي تقوليه هيتم، وحقك عليا قدام الكل».

​الضيوف كملوا الأكل، والقعدة اتفضت، بس المعالم اتغيرت للأبد.. ومن اليوم ده، عصام عرف إن السكوت مش دايماً قلة حيلة، ساعات بيبقى الاستراحة اللي قبل ضربة القاضية.

تم نسخ الرابط