جوذي وقف على باب الشقة ومنعني أخرج
نوال كانت ساكتة. بصيت لها حضرتك تعرفي محمود صبري؟
وشها اتغير لأ.
المحامي حط صورة تانية، صورة لرقم هاتف، وقال الرقم ده اتصل بمحمود صبري 17 مرة في شهر واحد. وبعدين قال والرقم مسجل باسم... سكت ثانية، ثم قال نوال عبد الحميد.
مدام نوال وقفت مكانها. كريم بص لها ماما؟
قالت بسرعة الرقم قديم!
المحامي رد الرقم لسه شغال.
كريم بص لأمه... ولأول مرة، هو نفسه شك فيها ماما إنتِ تعرفي الراجل ده؟
قالت لأ!
قلت يبقى ليه اتصل بيكي 17 مرة؟
ما ردتش. أبويا قال جاوبي يا مدام نوال.
فجأة انفجرت! أيوه!
سكتنا. صرخت أيوه أعرفه!
كريم اتراجع تعرفيه ليه؟
دموعها نزلت لأنه أخويا.
الصمت وقع على المكان. كريم قال إيه؟
قالت أخويا من أمي. وبعدين بصتلي وهو عليه ديون كبيرة.
أبويا سأل وفلوس بنتي؟
ما ردتش.
كريم قال ماما...
صوتها انهار أنا كنت باخد جزء من فلوسها.
بصيت لكريم. قال بسرعة وأنا ما كنتش أعرف!
لكن المحامي حط ورقة قدامه لأ... وأشار لتوقيع. هنا توقيعك.
كريم مسك الورقة، وكانت ورقة تفويض قديمة. كنت مدياله صلاحية محدودة لاستخدام حساب مشترك للمصاريف، لكنه استخدمها في تحويلات ما لهاش علاقة بالبيت.
بصيت له ليه؟
كريم سكت طويلًا، وبعدين قال أنا كنت عايز أعمل مشروع.
مشروع إيه؟
شركة مقاولات صغيرة.
قلت من غير ما تقوللي؟
كنت عايز أثبتلك إني مش فاشل.
الكلمة دي وجعتني أكتر من كل اللي حصل. قلت فسرقت ثقتي؟
ما سرقتش!
قلت استخدمت فلوسي من غير إذني.
سكت. وسمحت لأمك تاخد جزء منها.
ما ردش.
أمه قالت أنا كنت هرجعهالك!
ضحكت بمرارة إمتى؟
لما أخويا يسدد ديونه.
أبويا قال يعني كنتوا بتمولوا أخوكي من فلوس بنتي؟
ولا واحد رد.
كنت فاكرة إن دي أكبر صدمة... لكنها ما كانتش. المحاسب فجأة قال فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
بصيت له. فتح ملف صغير الشركة اللي كريم كان بيقول إنه أسسها... وقف. الشركة دي موجودة فعلًا.
قلبي دق. باسم مين؟
قال باسم كريم ونوال.
بصيت لكريم إيه؟
كريم غمض عينه. أبويا قال وفلوس تأسيسها؟
المحاسب رد جزء منها جاي من حساب سما.
كريم قال بسرعة أنا كنت هرجعهم!
قلت إمتى؟
ما ردش.
هنا... أنا ما عيطتش. على العكس، حسيت براحة غريبة، لأني أخيرًا فهمت. الموضوع ما كانش إن كريم عايزني أقعد في البيت، كان عايزني أقعد في البيت عشان ما أشوفش اللي بيحصل في فلوسي. مدام نوال كانت بتضغط عليا عشان أبطل شغل، وكريم كان بيحاول يظهر قدامي إنه راجل البيت. وفي الحقيقة... كان الاتنين بيعتمدوا على راتبي أكتر مما كنت متخيلة.
قمت من على الكرسي، روحت للمطبخ، قفلت النار، وبعدين رجعت. بصيت لكريم فاكر لما قلتلي اقعدي في البيت واطبخي زي أي ست طبيعية؟
هز رأسه.
قلت أنا فعلًا قعدت في البيت النهارده. وأشرت للحلة وطبخت. وبعدين ابتسمت بس مش عشان أطيعك. وقفت قدام باب الشقة عشان أشوف مين صاحب البيت فعلًا.
كريم قال سما، إحنا ممكن نحل الموضوع.
قلت لأ. أول مرة قلتها من غير تردد الموضوع اتحل.
سكت.
قلت بس مش بالطريقة اللي كنت متخيلها.
بعد أسبوعين، رجعت شغلي، لكن المرة دي بترقية جديدة. الشركة كانت محتاجة مدير مشروع إقليمي، والإدارة اختارتني. راتبي زاد. وأول حاجة عملتها؟ فتحت حساب بنكي جديد باسمي فقط، وغيّرت كل كلمات السر، وألغيت كل التفويضات القديمة.
أما كريم، فاضطر يواجه الإجراءات القانونية بسبب استخدام أموالي بدون إذني. لكنني لم أطلب حبسه، طلبت فقط استرداد حقي كاملًا. وبعد جلسات طويلة، اتفقنا على الانفصال رسميًا. الشقة فضلت باسمي، والشركة اللي حاول يعملها بفلوسي توقفت. أما مدام نوال، فأخوها اختفى بعد ما ظهرت ديونه الحقيقية. ولما حاولت تتصل بيا بعد شهور، ما رديتش. مش انتقامًا، لكن لأن بعض الأبواب لما تتقفل مش لازم تتفتح تاني.
بعد ستة شهور، كنت واقفة في موقع المشروع، لابسة خوذتي والعمال حواليا. واحد من المهندسين قال مدام سما، المدير العام عايزك في المكتب.
ابتسمت. وأنا ماشية، موبايلي رن. رقم غريب. رديت. صوت كريم سما؟
سكت.
قال أنا عايز أعتذر.
قلت اتفضل.
أنا خسرت كل حاجة.
رديت بهدوء لأ يا كريم.
إزاي؟
إنت ما خسرتش كل حاجة.
سكت.
قلت إنت خسرت الحاجة اللي كنت فاكر إنك تقدر تملكها وهي أنا. وسكت شوية، ثم قلت لكن حياتك لسه قدامك.
قال ممكن تسامحيني؟
بصيت قدامي، وشفت الشمس طالعة على المبنى اللي كنت مسؤولة عنه. قلت سامحتك من زمان.
سكت.
بس المسامحة مش معناها الرجوع. وأغلقت المكالمة.
بعدها بسنة، كنت قاعدة في مكتبي الجديد، وعلى الحيطة صورة المشروع بعد ما خلص. دخل أبويا، وابتسم وقال فاكرة اليوم اللي اتصلتي بيا وقلتيلي هات الملف الأزرق؟
ضحكت عمري ما هنساها.
قال كنتي بتعيطي؟
هزيت رأسي لأ.
قال كنتي خايفة؟
فكرت ثواني، ثم قلت كنت خايفة.
من إيه؟
بصيت له إني أكتشف إن الشخص اللي عايشة معاه ما يعرفنيش.
أبويا سكت.
قلت بس اكتشفت حاجة أهم.
إيه؟
ابتسمت إني أنا كمان كنت ناسية أعرف نفسي.
ضحك وعرفتيها؟
بصيت من الشباك وقلت أيوه.
وعرفتي إنك إيه؟
ابتسمت مش مجرد زوجة، ولا مجرد موظفة، ولا مجرد ست بتقبض 118 ألف جنيه. أنا إنسانة تعبت ووصلت، ولي حق أختار، ولي حق أرفض، ولي حق أمشي من أي مكان كرامتي فيه بتتهان. وأهم حاجة... إني ما احتجتش أخلي حد يحس إنه أقل مني عشان أثبت إني مش أقل من حد.
أما الحلة اللي طبختها يومها، فضلت فاكرة ريحتها فترة طويلة؛ لأنها كانت أول مرة في حياتي أدخل المطبخ وأنا مش مكسورة. كنت بطبخ وأنا عارفة إن فيه قرار بيتاخد. ومن يومها فهمت إن
أقوى قرار ممكن تاخديه مش دايمًا يكون بالصوت العالي. أحيانًا... تسيبيهم يفتكروا إنهم كسبوا، وتسكُتي، وتحضري أوراقك، وتقفلي الباب بهدوء، وتبدأي حياتك من جديد.
لأن في ناس لما تمنعك من الخروج من باب البيت، ما تعرفش إنك أصلًا كنتِ بتجهزي للخروج من حياتهم كلها.
النهاية.