صحيت في أوضة الفندق...... احمد عمار
صحيت في أوضة الفندق في الشارقة، ومن أول ثانية حسيت إن فيه حاجة غلط.. جوزي مكنش موجود.. ولا أمه.. ولا بنتنا!
ولما جيت أدور على تليفوني وباسبوري، اكتشفت إنهم اختفوا هما كمان.
على الترابيزة اللي جنب السرير، كان سايبلي ورقة صغيرة مكتوب فيها: "اتصرفي مع نفسك بقى."
وأمه كانت سايبالي ورقة هي كمان مكتوب فيها: "أما نشوف مين هييجي يلحقك دالوقتي."
كانوا فاكرين إنهم سابوني عاجزة تماماً ومش هعرف أعمل أي حاجة.. بس اللي مكنوش يعرفوه، إني لسة فاكرة كود طوارئ حطاه في دماغي من سنين، كود كفيل إنه يقلب الدنيا ويحرك حاجات أكبر بكثير مما يتخيلوا.
ساد الرعب والذعر في المكان وأنا بقلب شنطة السفر على الأرض.. هدوم.. جزم.. أدوات تجميل.. مفيش أي حاجة! تليفوني اختفى. دورت في الكومودينو، في الحمام، مكان الشاحن، وفي كل جيب في الشنط.. وبعدها مديت إيدي للمكان السري المضاد للمية اللي بشيل فيه أهم أوراق سفري.. مكنش ليه أثر.. الباسبور طار!
فضلت واقفة كام ثانية متنحة في الفراغ مش مصدقة.. وبعدها طلعت أجري، حتى ملحقتش ألبس جزمة في رجلي.
أول ما وصلت للريسبشن تحت، موظفة الاستقبال اتخضت من منظري. قلتلها وأنا بنهج ونفسي مقطوع: "جوزي.. شريف.. لسة هنا؟"
اترددت لحظة قبل ما تلتفت لشاشة الكمبيوتر.. وبعد كام ضغطة على الكيبورد، ملامح وشها تحولت للتحفظ: "أستاذ شريف عمل خروج الساعة 4:50 الصبح يا فندم."
قلبي وقع في رجلي.. "لوحده؟"
هزت رأسها بنفي: "لا، خرج مع أمه وبنتك الصغيرة.. وأخدوا عربية الفندق للمطار."
فضلت باصة لها ومصدومة.. ولثانية واحدة غريبة، طلعت مني ضحكة مكسورة وفاضية.
حياتي العملية واليومية كلها كانت متخزنة على التليفون اللي جوزي أخده.. حسابات البنك، تأكيد الهوية، بيانات الطيران، الأرقام والتفاصيل.. كل حاجه متعودة أحل بيها أي مشكلة بقت دالوقتي طايرة في الجو بين الإمارات ومصر.
رجعت الأوضة وأنا حاسة بتقل ومش حاسة بجسمي.. لقيت واحدة من خدمات الغرف مستنياني جنب الباب، ومدت إيدها بورقة ثانية متطبقة من أوراق الفندق: "لقينا دي على الأرض."
عرفت الخط من أول لحظة.. خط شدوان، أم جوزي.
ست كانت طول عمرها عارفة نقط ضعفي كويس أوي.. عارفة إني خسرت أهلي وماتوا، وعارفة إني معنديش قرايب ولا إخوات أرفع عليهم التليفون يلحقوني من بلد ثانية.. والظاهر إنها قررت تفكرني بيده.
الورقة كان فيها جملة واحدة: "أما نشوف مين هييجي يلحقك دالوقتي."
قريتها مرتين.. وبعدين بصيت لورقة شريف تاني: "اتصرفي مع نفسك بقى."
وفجأة، المشهد كله بقى واضح قدامي وبشاعة اللعبة بانت.. هما ممشوش بعد خناقة ولا كانت اندفاع عيلة زعلت فجأة.. هما مرتبين كل خطوة بالمليم! استنوني لحد ما نمت.. لموا حاجتهم.. أخدوا هنا.. سحبوا تليفوني وباسبوري.. واختفوا قبل ما الشمس تطلع.. وكل ده وهما متأكدين إني مش هلاقي أي طريقة أتحرك بيها وراهم.
جرس تليفون الأوضة رن فجأة، تنططت من مكاني. لما رديت، كانت موظفة الريسبشن: "مدام شريف؟" "أيوه؟" "أنا راجعت حجز الطيران بتاعك بعد ما نزلتي."
قعدت على طرف السرير وقلبي بيدق في قفصي الصدري زي الطبولة: "يعني أنا ضاعت عليا الطيارة؟"
سكتت لحظة.. ونبرة صوتها خلت بطني تتقلب: "لا يا فندم.." "قصدك إيه؟"
ردت بصوت واطي جداً: "تذكرتك للرجوع اتلغت."
كتمت نفسي وما قدرتش أتنفس.. "إيه؟!" "حجز طيرانك للرجوع اتلغى من إمبارح العصر."
بصيت للورقتين المرميين جنبي على السرير.. إمبارح! مش النهاردة الصبح.. مش بعد خناقة.. مش بعد ما قرر فجأة يمشي! إمبارح العصر.. وده معناه إنه كان مجهز ومخطط للندالة دي من قبل ما أنام أساساً.
جوزي مسبنيش بس ولغي في بلد غريبة.. ده أخد تليفوني وباسبوري، وخطف بنتنا، ولغى التذكرة اللي كانت ممكن ترجعني بيتي.. وكل ده عمله من قبل ما الشمس تغرب إمبارح!
هما كانوا فاكرين إنهم قطعوا كل حبل كان ممكن ينجدني.. بس هما على وشك يكتشفوا إنهم نسوا حبل واحد بس.
كود طوارئ أنا حافظاه صم في دماغي من سنين طويلة.. كلمتين بس: "الفانوس الأزرق"
وجوزي ميعرفش أي حاجة خالص عن اللي الكلمتين دول يقدروا يحركوه ويقلبوا بيه الترابيزة!
قعدت على طرف السرير ودماغي بتلف. كانوا فاكرين إنهم زنقوني في الزاوية وخلاص قفلوا عليا كل الأبواب.. بس شريف وشدوان نسوا حاجة واحدة، حاجة مكنتش بقولها لأي حد ولا حتى لجوزي نفسه.
قبل ما أتجوز شريف بسنين، كنت شغالة في شركة إنقاذ واستشارات أمنية دولية لحساب رجال أعمال وشخصيات مهمة. لما سبت الشغل عشان أتجوز واستقر، مدير الشركة - وهو راجل زي أبويا ومقتدر جداً - إداني رقم تليفون أرضي وكود طوارئ، وقال لي: "لو في يوم من الأيام اتزنقتي في أي بقعة في العالم ومبقاش معاكي غير هدومك، اتصلي بالرقم ده وقولي الكود ده.. وسيب الباقي علينا."