توأمي مخادعة كاملة بقلم: إيمان شلبي

لمحة نيوز

أماكن أثرية في الجبال، ورجال بيحفروا صناديق مليانة تماثيل وقطع دهب. وفيديو أخير بتاريخ قبل اختفاء ليلى بيوم، شريف كان مرعوب فيه وبيقول للكاميرا لو حصلي حاجة يبقى كامل الديب هو السبب. بعدها الشاشة اسودت.
وفجأة سمعنا خبطة قوية على باب الشقة. أنا وليلى انتفضنا.
افتحي يا مدام نيرمين.. إحنا من طرف الأستاذ كامل.
جسمي كله اتجمد. الراجل خبط تاني بعنف إحنا عارفين إن الفلاشة عندك!
بصيت حواليّا بسرعة.. مفيش مهرب. ليلى بدأت تعيط ماما أنا خايفة.
حضنتها وقلبي بيدق بجنون. وفجأة موبايلي رن.. رقم غريب. رديت وأنا برتعش ألو؟
وجالي صوت شريف واطي ومتقطع نيرمين.. متفتحيش الباب.. هما قتلوا واحد النهارده وجايين ياخدوا الفلاشة ويقتلوكي إنتي وليلى.
حسّيت رجليّ مش شايلاني. بصيت على الباب، الخبط زاد أعنف افتحي بدل ما نكسره!
وشريف على التليفون بيبيّس بسرعة وكأنه بيستخبى اسمعيني كويس.. فيه مخرج طوارئ آخر الطرقة عند السلم. اخرجي حالًا.
صرخت فيه بدموع وغضب بعد كل اللي عملته؟! أصدقك ليه؟!
سكت ثانية وبعدين قال بصوت مكسور أول مرة أسمعه منه عشان هما مش هيأذوكي.. بس هما عايزين ليلى.
الدم جمد في عروقي. شلت ليلى بسرعة، وخبيت الفلاشة جوه جاكتي. الباب الخارجي بدأ يتخلع فعلاً. جريت ناحية المطبخ، فتحت الشباك الصغير اللي بيطل على سلم الخدمة. الهوا البارد ضرب وشي. كريم كان سايب عندي نسخة من مفتاح باب السطح من يوم التهديدات، طلعتها بإيد بتترعش. ورايا صوت الباب وهو بيتكسر فتشوا الشقة!
طلعت أجري أنا وليلى على السلم الضلمة. ليلى كانت بتشهق من العياط، وأنا كل خطوة حاسة إن قلبي هيقف. وصلنا السطح.. الدنيا مطر وضلمة، وصوت الرعد مغطي على كل حاجة.
وفجأة لقيت شريف واقف هناك. اتجمدت مكاني.. كان متبهدل، دقنه طويلة، وفيه دم ناشف على قميصه. ليلى استخبت ورايا وهي بترتعش ماما..
شريف رفع إيده ببطء مش جاي أأذيكم.
صرخت ابعد عننا!
لكن قبل ما يرد، باب السطح اتفتح بعنف. تلات رجالة طلعوا، واحد منهم أصلع وضخم، وفي إيده مطوة طويلة. ابتسم وهو يبص لشريف كنت فاكر تهرب من كامل الديب؟
شريف وقف قدامنا فورًا.. أول مرة يحاول يحمينا. قال بصوت ثابت سيبوا البنت والست.. الفلاشة معايا أنا.
الراجل ضحك الفلاشة مش مهم.. المهم ميبقاش فيه شهود.
وفي لحظة، طلع مسدس. ليلى صرخت، وأنا حضنتها بقوة وغمضت عيني.
لكن الطلقة اللي سمعتها بعدها ماجتش فينا.
فتحت عيني ببطء.. لقيت شريف واقع على ركبته، ماسك بطنه والدم ينزل من بين صوابعه.
صرخت شرييييف!
الراجل قرب علينا، لكن فجأة السطح اتملى أنوار شرطة! ارمي السلاح!
كريم ظهر وراهم وهو بيجري ناحيتنا. الرجالة حاولوا يهربوا، لكن الشرطة مسكت اتنين، والتالت ضرب نار عشوائي قبل ما يقع متصاب.
أنا ركعت جنب شريف.. كان بيتنفس بالعافية. بص لليلى ومد إيده المرتعشة ناحية شعرها آسف يا بابا.
ليلى كانت بتعيط جامد بابا متسبنيش!
بصلي شريف بعين مليانة ندم أنا كنت فاكر الفلوس هتحل كل حاجة.. بس غرقت.
دموعي نزلت غصب عني رغم كل الكره والخوف. همس آخر همسة الفلاشة فيها أسماء كبيرة.. خلي بالكوا من نفسكم.
وإيده وقعت ببطء..
الإسعاف خدته بسرعة، لكنه مات قبل ما يوصل المستشفى.
الجزء الرابع
بعد شهور، القضية قلبت البلد. الفلاشة كشفت شبكة ضخمة لتهريب الآثار، وكامل الديب اتحكم عليه بالمؤبد.
أما أنا فانتقلت أنا وليلى لمدينة تانية.. حياة جديدة. وفي أول يوم مدرسة ليها هناك، كانت ماسكة إيدي بقوة وهي داخلة الفصل. بصتلي وقالت ماما.. هو بابا كان وحش؟
نزلت على ركبتي قدامها، ومسحت شعرها بحنان وقلبي بيوجعني بابا عمل حاجات وحشة.. بس كان بيحبك.
سكتت شوية، وبعدين حضنتني. وفي اللحظة دي.. حسيت إننا أخيرًا بدأنا نخرج من الكابوس.
عدّت سنتين.. سنتين وأنا بحاول أبني حياة طبيعية ليا وليلى، بعيد عن الصحافة، بعيد عن المحاكم، بعيد عن اسم شريف. استقررنا في شقة صغيرة هادية في الإسكندرية، وليلى بدأت ترجع تضحك تاني.. بقت عندها قطة صغيرة سمتها فلة، وكل يوم ترسم بحر وشمس وكأنها بتحاول تمسح الصحرا من ذاكرتها.
وأنا؟ كنت كل ليلة أصحى على نفس الكابوس باب بيت بيتكسر، وصوت شريف وهو بيصرخ. لكن مع الوقت، الجرح بدأ يفلح ويقفل.
لحد ليلة عيد ميلاد ليلى الثامن. البيت كان مليان بلونات وكب كيك، وأصحابها لسه ماشيين. كنت بجمع الأطباق لما ليلى جريت عليا ماما! في راجل تحت بيقول يعرف بابا.
ضحك قلبي بخوف. نزلت البلكونة بسرعة ووشي شحب. راجل واقف تحت العمارة، لابس بدلة رمادي، وشه هادي بطريقة مخيفة. أول ما شافني، رفع إيده بتحية بسيطة، وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
شريف قبل ما يموت.. سلّمني أمانة تخصك.
قفل قلبي فورًا. نزلت لكريم اللي كان لسه عندنا، وحكيتله بسرعة.. أصر ينزل معايا.
الراجل طلع بطاقة وقال إنه محامي، اسمه مروان الجندي. طلع ظرف بني قديم وقال الأستاذ شريف طلب إنه يتسلم لمدام نيرمين بعد سنتين بالظبط.
كريم خطف الظرف قبل ما ألمسه وفتحه بحذر. كان جواه مفتاح صغير ورسالة. إيدي كانت بتترعش وأنا بقرأ
نيرمين.. لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا فعلًا انتهيت.
في حاجات كتير كذبت فيها، لكن فيه حقيقة واحدة عمري ما قدرت أقولها.. ليلى مش بنتي.
 
الدنيا لفت بيا. كريم بصلي بذهول إيه الهبل ده؟!
كملت قراية وأنا نفسي
بيتسحب مني
قبل جوازنا بسنة، والد ليلى الحقيقي دخل في مشكلة كبيرة مع ناس خطر.. لما اختفى، الناس دي فضلت تدور على أي حد يخصه. اتجوزتك وأنا عارف كل حاجة، ووافقت أكتب اسمي على البنت عشان أحميها. لكن بعد سنين، نفس الناس رجعوا تاني وعرفوا إن ليلى عايشة.
 
وقعت الرسالة من إيدي. ليلى كانت واقفة على نص السلم.. سمعت كل حاجة.
وشها كان أبيض وشفايفها بترتعش يعني.. بابا مش بابا؟!
جريت عليها بسرعة حبيبتي اسمعيني..
لكنها رجعت لورا وهي بتعيط كلكوا كدابين!
وجريت طلعت الشقة وقفلت الباب علينا. فضلت أخبط وأنادي عليها، لحد ما فتحت بعد نص ساعة. كانت قاعدة في الركن، حضنة الدبدوب القديم، بصتلي بعين مكسورة هو فيه حد بيحبني بجد يا ماما؟
ركعت قدامها ودموعي بتنزل أكتر حد في الدنيا.
طب.. بابا الحقيقي فين؟
سكت.. لأني أنا نفسي ماكنتش أعرف الحقيقة كاملة.
لكن قبل ما أتكلم، كريم كان لسه بيقلب في الظرف. وفجأة.. قال بصوت متوتر نيرمين.. الرسالة دي مش أهم حاجة.
أمال إيه؟
رفع المفتاح قدامي وقال المفتاح عليه رقم خزنة وباسم بنك في القاهرة.
وفتحت الخزنة في بنك القاهرة، وهناك كانت المفاجأة الكبرى التي لم تكن في الحسبان. داخل الخزنة، لم نجد أموالاً أو أوراقاً عادية، بل وجدنا ملفاً كاملاً يضم مستندات رسمية، ووصية موثقة، وأوراقاً تثبت أن والد ليلى الحقيقي لم يختفِ هرباً، بل كان شاهداً رئيسياً في قضية آثار كبرى ضد نفس العصابة التي يقودها كامل الديب، وأن شريف رحمه الله لم يكن سوى درع حماية لنا طوال تلك السنوات، حيث ضحى بحياته وسمعته لكي يبعد عنا خطر الموت المحتوم.
بجوار المستندات، كان هناك شريط كاسيت قديم ورسالة صوتية مسجلة بصوت والد ليلى موجهة لليلى وحدها، يوضح فيها كل الحقيقة ويترك لها ميراثاً طاهراً يحمي مستقبلها.
التفتّ إلى ليلى التي كانت تنظر إليّ بعيون مليئة بالدموع، فركعت أمامها مرة أخرى، مسحت دموعها بحنان، وقلت لها بصوت ثابت يملؤه اليقين
شايفه يا ليلى؟ بابا شريف ماكنش كذاب.. كان بطل. حميكي بدمه، وراجل حقيقي ضحى بروحه عشان تفتضلي عايشة مرفوعة الراس.
حضنتني ليلى بقوة وهي تشهق، وقالت بصوت صغير دافئ
يعني أنا ليا أب تاني ضحى عشاني، وبابا شريف كمان حبني وحماني؟
أيوه يا روحي.. إنتي ليكي سند بيحكيكي من السما، وعيلة تحميكي في الأرض.
انتهى الكابوس الخانق، وبدأت صفحة جديدة صافية خالية من الخداع. أخذت ليلى بيدها، ورجعنا لبيتنا الجديد، وعادت الابتسامة الحقيقية تزين وجهها، بينما ظلت ذكرى شريف وتضحيته الطاهرة محفورة في قلوبنا إلى الأبد.

تم نسخ الرابط