لقاء على شاطئ الموت بقلم منى السيد
راس كبيرة وراه.. حد جوة مجلس إدارة المجموعة، أو حد من برة مصر خالص عايز يمسك المينا لحسابه.
وقبل ما نورهان ترد، فجأة.. جهاز اللاسلكي الصغير اللي كان في جيب جاكيت أدهم اللي كان خده من الراجل اللي اتزحلق في الورشة بدأ يصفر ويطلع صوت وشوشة حادة قطعت سكون الكشك. أدهم اتعدل بسرعة، ونورهان كتمت نفسها وبصت للجهاز بريبة. الصوت طلع من اللاسلكي، بس مكنش صوت طارق.. كان صوت راجل تاني خالص، صوت غليظ، بارد، فيه بحة مميزة تخلي شعر الضهر يقف، ونبرته كانت واثقة ومفيهاش أي توتر ألو.. طارق؟ بلغني إن الحريقة ولعت في المكس، بس ملقتش جثة أدهم في الحطام. متقوليش إنه هرب مع البت بتاعة الورشة؟.. اسمعني كويس يا طارق، لو أدهم طلع الصبح وهو عايش ووصل للمستندات اللي في خزنته، مش هو اللي هيموت.. أنت اللي هتدفن مكان الكلب بتاعه. افتح التتبع بتاع تليفون البنت.. هي لسه متصلة بشبكة برج الدخيلة. هاتلي روسهم هما الاتنين قبل ما الشمس تطلع.
الصوت سكت، واللاسلكي رجع يوش. نورهان حطت إيدها ببطء على جيب بنطلونها.. وطلعت تليفونها القديم، لقت الشاشة منورة ومكتوب عليها جاري تحديد الموقع... أدهم بصلها وعينيه وسعت برعب نورهان.. ارمي التليفون ده في البحر حالا! بس قبل ما تتحرك، من بعيد، من ورا تلال الرمل عند مدخل السقالة.. صوت مواتير تقيلة بدأ يقرب، ونور كشافات ليزر خضرا بدأ يمسح خشب الكشك المهجور من برة.
نورهان بصت لأدهم، وابتسمت ابتسامة مجنونة وهي بتسحب مفتاح عجل حديد من الشنطة شكله كدة يا ابن الكردي.. ليلتنا لسه مطولة، وباب الكشك ده كمان هيطير!
الفصل الثالث والأخير دقة قلب فوق صخر المكس
خطوط الليزر الخضرا كانت بتتحرك على ألواح الخشب المتهالكة كأنها عقارب سامة بتدور على صيدها في العتمة. صوت مواتير العربيات الدفع الرباعي كان بيعصر رملة الملاحات ورا تلال الدخيلة، وصوت كسر الحصى تحت الكاوتش التقيل بيقرب بثبات وغل، كأن الموت واخد ميعاد ومش ناوي يخلفه.
نورهان خطفت التليفون من على الطبلية الخشب، وبحركة واحدة سريعة كسرته نصين تحت كعب جزمتها الجلد التقيلة، وفتحت الشباك السلك ورمت النصين في مية البحر الغريقة. بصت لأدهم، وعينيها اللي واخدة لمعة الصوان مكنش فيها ذرة تردد التليفون غرق، بس هما خلاص شموا ريحة المكان. قدامنا دقيقتين بالظبط قبل ما الحتة دي تتقفل علينا زي المصيدة.
أدهم كان بيحاول يصلب طوله، ساند بضهره على العرق الخشب اللي ماسك سقف الكشك. جنبه كان لسه بينزف دم خفيف، بس وجع الخيانة ووجع الرصاص مبقاش له وجود؛ الأدرينالين اللي بيجري في دمه كان كافي يهد جبل، ونظرته لنورهان وهي واقفة ماسكة مفتاح العجل الحديد بوقفة فدائي خلت روحه تتجدد من أول وجديد نورهان.. المرة دي مش طارق لوحده. الصوت اللي طلع في اللاسلكي ده صوت عزمي مهران.. شريك والدي القديم، وواحد من كبار مافيا التخليص الجمركي في البلد. الراجل ده مش هيبعت بلطجية عاديين، دول فرقة تصفية خاصة، ومش هيرحموا حد.
ابتسمت نورهان بسخرية حامية، وربطت شعرها الأسود بإيشارب قطن، ولمت كل خصلة كانت طايرة عزمي مهران، ولا مهران نفسه.. هنا أرض الله والبحر يا باشا. الكشك ده مبني فوق مخبأ قديم من أيام الإنجليز، كانوا بيخزنوا فيه براميل كربيد وزيوت لمدافع السواحل. هما فاكريننا محشورين جوة.. بس إحنا اللي هنحبسهم برة!
جرت نورهان على زاوية الكشك، شالت شوية شكاير خيش قديمة، فبان وراها تلات براميل صاج مصدية، محطوط عليهم علامة الجمجمة وخطر الاشتعال. بصت لأدهم وقالت بسرعة براميل كربيد وبواقي بنزين طيارات من اللي كنا بننضف بيه مواتير اللنشات السريعة. لو لمسوا شرارة، الصخر ده كله هيطير للسما!
أدهم فهم خطتها في لمح البصر أنتي عايزة تستدرجيهم لهنا؟ هما جايين على الكشك.. وإحنا مش هنكون فيه! نورهان شمرت دراعاتها، وفتحت محبس برميل منهم خلت السائل التقيل يسيل على الأرضية الخشب ويسرب من بين الشقوق على الرملة برة في ممر صخري تحت السقالة واطي جداً، المية فيه بتوصل للركبة، بيطلعنا ورا التل على ضهر العربيات بتاعتهم. هناخد مسار الالتفاف.. وأول ما يدخلوا يفتشوا، الشمروخ اللي معايا هيعمل الواجب.
أدهم جهز المسدس اللي معاه، فتش خزنته بسرعة؛ كان فاضل فيها خمس طلقات بس أنا طلعة وراكي.. بس الشمروخ ده بتاعي أنا، مش هسيبك تخاطري بمسافة الصفر دي. نورهان بصتله، وقبل ما تنطق، ضربة رصاصة قناصة اخترقت شباك الكشك وفجرت لمبة الجاز اللي فوق راسهم. القزاز طار شظايا، والصوت رن زي الرعد في المكان.
انزلي في الممر! صرخ أدهم وهو بيشاورلها، ونزلوا الاتنين بسرعة في الفتحة الأرضية اللي بتنزل للمية الساقعة تحت السقالة، في نفس الثانية اللي نزل فيها وابل من الرصاص الآلي الثقيل، شق حيطان الكشك الصاج والخشب وحولها لغربال.
المية كانت ساقعة تلج، بتلسع في جروح أدهم زي مية النار، بس كان عاضض على أسنانه وبيتحرك ورا نورهان خطوة بخطوة. نورهان كانت بتتحرك بخفة وسط الشقوق الصخرية اللي ميعرفش سككها غير اللي حفرها بإيديه، لحد ما طلعوا من بين الصخور ورا ضهر التل الرملي. كانوا مستخبيين ورا صخرة ضخمة بتطل على مدخل الكشك وعلى العربيات الجيب اللي كانت واقفة وسواقينها مستنيين برة.
أربعة ملثمين مع طارق دخلوا الكشك، أسلحتهم موجهة للضلمة، وريحة الكربيد والبنزين كانت مالية الجو بس هما من غبائهم افتكروها ريحة عادية من ورش الصيد. نورهان طلعت مسدس الشماريخ التاني من كيس بلاستيك مربوط في حزامها، ومدته لأدهم من غير ما تلمسه، وشاورتله بعينيها على الهدف البرميل مخروم عند العتبة.. وريني نيشانك يا ابن الكردي.
أدهم بصلها بإعجاب وهيبة، ثبت كوعه على الصخرة وصوب بكل تركيزه على السائل المشبع بالجاز. مع السلامة يا طارق.. البحر بيسلم عليك. ضغط على الزناد.
شعلة فسفورية حمراء انطلقت زي البرق، شقت ضلمة الفجرية، ورشقت في قلب برميل الكربيد. الانفجار كان مهول! كرة نار ضخمة انفجرت في السما، طيرت سقف الكشك الصاج، ولهب أحمر وأزرق ابتلع المكان كله في ثانية واحدة. الصخور اتهزت تحت رجليهم، وموج البحر ارتفع ورزع في حواجز الأمواج من شدة الضغط.
رجالة طارق اللي جوة الكشك اتشتتوا في لحظة، وطارق طار من باب الكشك واترمى على الرملة وهو بيصرخ من الصدمة، بيتعفر في الرملة وهدومه متبهدلة ومرعوب. سواقين العربيات الجيب اتفاجئوا واتربكوا، واتنين منهم دوروا العربيات وهربوا في اتجاه الملاحات بعد ما شافوا الجحيم اللي قام. بس عربية واحدة فضلت واقفة، ونزل منها راجل عجوز بشعر أبيض وماسك رشاش قصير.. كان عزمي مهران. عزمي لمحهم فوق التل الصخري، ورفع سلاحه أدهم! مش هتخرج من هنا حي! الرصاص بدأ يضرب في الصخرة، والشظايا بتطاير حواليهم.
نورهان بصت بسرعة حواليها ولقت حبل مركب غليظ مربوط في ونش صيد يدوي قديم على التل، مشدود بكتلة صخرية وأسمنتية ضخمة كانت بتثبت المراكب وقت النوة، والحبل معدي بالظبط فوق سقف عربية عزمي. أدهم! اضرب على مسمار الترس بتاع الونش
اللي وراك! صرخت نورهان بصوت جهوري. أدهم لف جسمه بسرعة، وصوب بالمسدس على مسمار الأمان المصدي وضغط الزناد. الرصاصة ضربت المسمار، القفل طار، والكتلة الأسمنتية فلتت ونزلت تتدحرج بسرعة جنونية ورزعت فوق سقف كابينة العربية وطبقتها، والسلاح طار من إيد عزمي اللي وقع على الأرض ومبقاش قادر يتحرك من الخضة والإصابة.
سكون تام حل على المكان. مفيش غير صوت النار اللي بتهدا، وأنين طارق وعزمي مهران المستسلمين على الرملة، وصوت تلاطم الموج الهادي.
أدهم وقف ببطء، ونورهان كانت واقفة جنبه بصلابة، رافعة راسها وبتبص للاتنين اللي مرميين في التراب. طارق كان بيزحف على ركبه وبيبص لأدهم بذل أدهم.. سامحني.. عزمي هو اللي خطط لكل حاجة.. أدهم بصله بنظرة برود أشد من رصاص المسدس الدم اللي يغدر مبقاش دمي يا طارق. ومن اللحظة دي حسابك مع القانون والنيابة، والمستندات اللي معايا هتخلص الحكاية للأبد.
في اللحظة دي، بان في الأفق نور الفجر الهادي، ومعاه صوت سراين لنشات خفر السواحل وعربيات الشرطة اللي كانت بتملأ طريق المكس بعد ما الانفجار رن في المنطقة. أدهم التفت وبص لنورهان. كانت واقفة، وشها متعفر بالهباب والبارود، وعيونها العسلية بتلمع بنور الصباح البكر بعزة وشموخ. كانت أرجل وأشجع إنسانة شافها في حياته، بس من غير ما يتكلم كلمة زيادة، كانت نظرة عينه مليانة احترام لا حدود له وامتنان حقيقي لوجودها.
ابتسم أدهم وقال بنبرة هادية فيها كل التقدير خلصت يا بنت الريس.. والفضل ليكي بعد ربنا. نورهان ابتسمت بنص شفة وردت بجدعنتها المعهودة حمد الله على سلامتك يا ابن الكردي.. الورشة وبابها وكل شبر اتدمر حسابه محفوظ، ومصر كلها مفيهاش باب زي اللي طار ده. أدهم ضحك من قلبه، وقال بجدية وامتنان حقك محفوظ وفوقه كل خير، والجدعنة دي دين في رقبتي ليوم الدين.
بعد مرور سنة..
شمس العصرية كانت دافية وجميلة على مينا المكس في إسكندرية. المكان اتغير تماماً؛ الورشة القديمة المتهالكة اتبنت مكانها أكبر صرح بحري لصيانة وتصنيع مراكب الصيد في المنطقة، مجهزة بأحدث المعدات، ومكتوب عليها بيافطة نحاس ضخمة بتلمع مجموعة الكردي للصناعات البحرية إدارة المهندسة نورهان حسن
جوة المكتب الرئيسي اللي بيطل على البحر، كانت نورهان قاعدة ورا مكتب خشب أرو عريض، لابسة عباية إسكندرانية كحلي شيك جداً وطرحة حرير متناسقة، بتراجع دفاتر الحسابات وعقود الصيانة الجديدة، وهيبتها مالية المكان والكل بيعمل لكلمتها ألف حساب. الباب خبط، ودخل أدهم، لابس بدلة رمادية كلاسيك وبابتسامة هادية كلها وقار. وقف قدام المكتب، حط إيده في جيبه وبصلها بنظرة مليانة فخر واعتزاز يا ساتر على الاندماج.. حتى والناس كلها مستنية برة عشان كتب الكتاب، برضه بتراجعي فواتير المواتير؟
نورهان رفعت راسها، قفلت الدفتر وابتسمت بكبرياء جميل الشغل شغل يا باشا.. والريس حسن الله يرحمه علمني إن القرش الحلال ميتسابش فيه غلطة. أدهم قعد على الكرسي قدامها، وبص في عينيها وقال بصدق ونبرة واضحة أنا شوفت في الدنيا دي كتير يا نورهان، وعاشرت أشكال وألوان.. بس من الليلة اللي شيلتيني فيها من قلب النار، عرفت إن مفيش ست على وش الأرض تستاهل تشيل اسمي وتكون شريكة حياتي غيرك. أنتي مش بس أنقذتي روحي.. أنتي رديتيلي عقلي وفهمتيني يعني إيه أصل وجدعنة.
نورهان بصت لملامحه الصادقة، وحست براحة وأمان كانت بتتمناه طول عمرها. شبكت إيديها على المكتب وقالت بلهجتها البسيطة وابتسامة راضية عيلتك كان فيها مليارات بس كانت ناقصة أمان.. وأنا أماني كان البحر، ودلوقتي كلمتك ورجولتك هما الأمان. بس خليك فاكر شرطي.. الكلمة في الورشة دي كلمتي، وشغل البحر ملوش كبير غير اللي يفهمه. أدهم ضحك برجولة وقال باحترام وأنا شاري وراضي.. المأذون والشهود مستنيين في القاعة فوق، والريس حسن روحه مرتاحة النهارده.
قامت نورهان وقفت بكل ثقة وهيبة، ومشيت جنبه خطوة بخطوة، راسهم مرفوعة للسما، وسط فرحة الصيادين وأهل المكس اللي اتجمعوا يباركوا لجواز أدهم الكردي من بنت البحر الجدعة.