الظرف الأصفر
الظرف الأصفر كان لسه واقع على الأرض والراجل الكبير واقف قدامه كأنه خايف يلمسه. بصيتله وقلت:
- افتحه يا حاج يمكن تعرف ابنك كان عايز يقولك إيه. هز راسه وقال بصوت مكسور:
- أنا معرفش إذا كنت أستاهل أقرأه ولا لأ. مد إيده وخد الظرف، بس قبل ما يفتحه سألني:
- إنتي كنتي تعرفي إن جوزك ابني؟ قلتله:
- لأ والله أنا كنت أعرف إن اسمه ياسر محمود وبس.
الراجل فتح الظرف بإيد بتترعش، وطلع منه جواب مكتوب بخط جوزي، وقعد يقرأ: "بابا، أنا مش عارف إذا كنت لسه عايش ولا لأ، بس لو الجواب ده وصلك يبقى أنا حاولت أرجع. أنا مش طالب منك فلوس ولا شركة ولا حتى تسامحني، أنا بس عايزك تعرف إني كنت بحبك رغم كل اللي حصل."
الراجل وقف عن القراءة ومسح دموعه بسرعة كأنه مكسوف إننا شايفينه. ملك قربت منه وقالت:
- إنت زعلان عشان بابا مات؟ الراجل بص لها وقال:
- أيوه يا حبيبتي. ملك قالت:
- بابا كان بيقول إن جدو وحشه. الراجل شهق وبصلي وقال:
- جدو؟!
أنا قعدت على الكرسي وأنا مش عارفة أقول إيه. هو كمل قراءة: "بابا، أنا اتجوزت وخلفت بنت اسمها ملك. يمكن عمرك ما تعرفها، بس هي شبهك في عينيها. ولو في يوم قابلتها، خلي بالك منها."
الراجل حط الجواب على صدره وقعد يعيط من غير صوت. أنا حسيت إني قدام أب فقد ابنه مرتين؛ مرة يوم ما طرده، ومرة يوم ما مات.
بعد شوية دخلت الست الكبيرة وقالت:
- يا حاج حمدي... الراجل رفع عينه وقال:
- اسمي مش حمدي.. أنا اسمي عبدالعزيز. بصيتله باستغراب، قال:
- عبدالعزيز ياسر عبدالعزيز. ملك قربت منه وقالت:
- يعني إنت جدو؟ هز راسه وقال:
- أيوه يا حبيبتي، أنا جدو. ملك حضنته، وهو فضل ماسكها كأنه خايف تروح منه.
بس فجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام الفيلا، ونزل منها شاب لابس بدلة غالية، دخل وهو بيقول:
- بابا أنا جيت بدري. وأول ما شافني أنا وملك وقف مكانه، بص لأبوه وقال:
- مين دول؟ عبدالعزيز مسك إيد ملك وقال:
- دي حفيدتي. الشاب اتصدم وقال:
- حفيدة إيه؟! إنت بتقول إيه يا بابا؟! عبدالعزيز رد:
- دي بنت ياسر. الشاب ضحك بسخرية:
- ياسر مات من ١٢ سنة! أنا قلتله:
- جوزي مات من ١٠ شهور. الشاب بصلي وبعدين بص لملك وقال:
- يعني إنتي مراته؟ هزيت راسي. فجأة قرب مني وقال بصوت واطي:
- إنتي لازم تمشي من هنا حالا! أنا اتخضيت وقلتله:
- ليه؟ بص حوالين نفسه وقال:
- عشان لو بابا عرف الحقيقة، كلنا هنروح في داهية.
عبدالعزيز سمعه وقام واقف وقال:
- حقيقة إيه يا سامح؟ سامح سكت، وأنا حسيت إن فيه حاجة كبيرة مستخبية. ملك شدت إيدي وقالت:
- ماما نمشي. بس عبدالعزيز مسك إيدي وقال:
- محدش هيمشي.. أنا ابني رجعلي بعد ١٢ سنة ومش هسيبه يضيع مني تاني. سامح بص لأبوه وقال:
- إنت مش فاهم.. ياسر ما ماتش بسبب حادثة. أنا حسيت إن الدم اتجمد في عروقي وقلت:
- إنت بتقول إيه؟ سامح بصلي وقال:
- جوزك اتقتل.. واللي قتله كان عايز يوصل للجواب ده.
عبدالعزيز وقع على الكرسي، وأنا بصيت للظرف الأصفر، ولأول مرة حسيت إن الجواب مش مجرد رسالة، ده كان مفتاح سر ممكن يقلب حياتنا كلها.
سامح قال إن جوزي اتقتل وأنا حسيت إن رجلي مش شايلاني. بصيتله وقلتله:
- إنت بتقول إيه يا أستاذ سامح؟ جوزي مات بسبب أزمة قلبية! سامح بص لأبوه وقال:
- دي كانت الكذبة اللي خليناها تمشي في البلد كلها. عبدالعزيز قام من مكانه وقال بصوت عالي:
- إنت كنت عارف إن ياسر ابني اتقتل وسكت؟! سامح رد وهو بيبص في الأرض:
- أنا مكنتش عايز أعمل حاجة، بس لو اتكلمت كنت هخسر كل حاجة. بصيتله وقلت:
- كل حاجة إيه؟ فلوسك ولا شركتك؟ سامح سكت.
عبدالعزيز مسك الظرف الأصفر وقال:
- الجواب ده كان معاه من ١٢ سنة، إنت كنت عارف عنه؟ سامح هز راسه وقال:
- أنا اللي خليته يسيب البيت.. أنا اللي قلتله إنك مش عايزه هنا. عبدالعزيز قرب منه وقال:
- إنت عملت كده ليه؟ سامح رد:
- عشان كنت خايف ياسر يرجع ويطلب حقه في الشركة. أنا بصيتله بصدمة وقلت:
- يعني إنت طردت أخوك عشان الفلوس؟! سامح قال:
- أنا كنت فاكر إنه مش هيرجع.
عبدالعزيز فتح الجواب تاني وبدأ يقرأ بصوت مرتعش: "بابا.. لو أنا مت قبل ما أرجعلك، خلي بالك من ملك.. ومتصدقش أي حد يقولك إن موتي كان طبيعي. أنا كنت عارف إن فيه حد بيراقبني، واللي حصل في الشركة مش صدفة."
عبدالعزيز وقف عن القراءة وبص لسامح اللي وشه اصفر وقال:
- الجواب ده مش كامل. أنا قلت:
- يعني إيه مش كامل؟ سامح رد:
- ياسر كان كاتب جواب تاني.. بس اختفى. عبدالعزيز قال:
- اختفى إزاي؟ سامح سكت شوية وبعدين قال:
- كان فيه جواب مكتوب عليه اسم ملك. ملك قربت مني ومسكت إيدي وقالت:
- ماما.. هو بابا كان بيكتبلي جواب؟ أنا حضنتها وقلت:
- أيوه يا حبيبتي.. بس مش عارفة هو فين. سامح قال:
- الجواب التاني كان في خزنة أبويا القديمة. أنا بصيت لعبدالعزيز وقلت:
- خزنة إيه؟ قال:
- الخزنة اللي في مكتبي. سامح قرب من أبوه وقال:
- بس المفتاح مش معايا. عبدالعزيز رد:
- المفتاح مع ياسر. أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا وقلت:
- مع جوزي؟! عبدالعزيز هز راسه وقال:
- كان بيقول إنه هيرجع يوم ويفتح الخزنة بنفسه.
بصيت لملك.. كانت لسه ماسكة الكشكول القديم. وفجأة افتكرت الرسمة اللي فيها الفيلا والبرج. قلت:
- استنى.. ملك افتحي الكشكول. ملك فتحته وأنا بدأت أقلب في الصفحات لحد ما لقيت رسمة قديمة للفيلا وتحتها مكتوب: "المفتاح في المكان اللي بابا كان بيحب يقعد فيه." بصيت لعبدالعزيز وقلت:
- هو كان بيحب يقعد فين؟ عبدالعزيز رد:
- في الجنينة.. عند الشجرة الكبيرة.
خرجنا كلنا للجنينة والهواء كان شديد. ملك جريت قدامنا وفجأة وقفت جنب شجرة قديمة وقالت:
- ماما.. هنا كان بابا بيستخبى لما كان صغير. قربت منها ولقيت تحت التراب علبة حديد صغيرة. فتحتها بإيدي ولقيت جواها مفتاح وموبايل قديم وعليه رسالة واحدة: "لو ملك وصلت للمكان ده.. يبقى أنا مش موجود."