مراتي استهلكت كل طاقتها حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

الكلمة نزلت عليه زي الدش الساقع. برّق وقال: "يعني إيه خلصت؟ إنتي بتستعبطي؟"

"يعني لو خلصت كلام، وطي صوتك عشان الجيران، والوقت اتأخر." رديت بصوت واطي جداً، بس كل حرف فيه كان طالع زي حجر تقيل. خطيت من جنبه عشان أخرج من المطبخ، مالمستش كتفه حتى.

مسك دراعي، مش بقوة تكسر، بس مسكة فيها غل: "ماتدينيش ضهرك وتمشي وأنا بكلمك! أنا بتكلم عن بيتي وضيوفي!"

بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي بهدوء شديد، ورجعت بصيت لعينيه وقولت بجمود: "شيل إيدك."

نبرتي مكنتش متعودة عليها ودانه؛ طول عمري ست حنينة، بطاطي عشان المركب تمشي. شال إيده فجأة كأنه اتلسع، ورجع خطوة لورا وهو بيتلعثم: "إنتي... إنتي اتجننتي ولا إيه الحكاية بالضبط؟"

"لا يا طارق، أنا عقلت. عقلت أوي كمان."

سبته ودخلت أوضة النوم، وقفلت الباب ورايا من غير ما ارزعه، بس لفيته بالمفتاح تكة واحدة. سمعت خطواته السريعة ورايا، مسك الأوكرة وحاول يفتحها، فلما لقاها مقفولة خبط خبطتين: "مروة! بتتربسي الباب في وشي؟ بقى ده جزاتي؟"

ماردتش. وقفت قدام مراية الدولاب وبصيت لنفسي تحت نور النجفة الأصفر الخافت. بصيت لستة وأربعين سنة متجسدين في الوش اللي قدامي. الهالات مش بس من سهر الأيام الأخيرة؛ دي هالات تمنتاشر سنة جواز وأنا شايلة القفة على دماغي وساكتة، بجري الصبح للشغل، وأطلع من الشغل على السوق، ومن السوق على المطبخ، وبعد الغدا والمواعين افتح اللابتوب والدفاتر عشان أراجع ميزانيات شركات وألم حسابات عيادات ومحلات عشان أجمّع الألفين والتلاتة زيادة اللي بيسدوا عجز البيت وأقساط الشقة.

طارق من برة كان لسه عمال يهلفط: "ماشي يا مروة، نامي واشبعي بنكدك!" سمعت خطواته رايحة للصالون، وصوت التلفزيون اتفتح بصوت عالي كالعادة. قعدت على طرف السرير، بس منمتش. الإحساس اللي بيوصله الواحد لما يدوس على بنزين عربيته على آخره ويلاقي التنك شطّب خلاص ومفيش نقطة بنزين واحدة باقية، مفيش حتى طاقة يزعل.

"استهلكت كل طاقتها، ومبقاش فيها نَفَس يشيل خلاص." الجملة رنت في وداني تاني. هو فعلاً قالها من غير ما يقصد أصدق حاجة في حياته؛ أنا طاقتي خلصت لإني كنت المولد الوحيد اللي منور البيت ده كله، وهو كان السلك العريان اللي بيسحب الكهرباء من غير ما يدّي فولت واحد!

فتحت الدولاب، طلعت شنطة كتف قديمة وشنطة ورق كبيرة، وفتحت الدرج التحتاني خالص اللي فيه أوراقنا. طلعت الملف الأزرق بتاع الشقة. الشقة التمليك دي، اللي واخدينها في العبور، واللي هو بيقعد وسط أصحابه ينفخ صدره ويقول: "أهو عملنا قرشين وجبنا ملك"، فتحت الأوراق وبصيت للعقد، وبصيت لإيصالات البنك.

العقد الأساسي مكتوب مناصفة، بس الشيكات والتحويلات كلها كانت من حسابي أنا في بنك مصر؛ التحويلات اللي بتنزل من مرتبي الصافي، والشغل الإضافي. هو كان مرتبه بيروح في مصاريفه الشخصية، قسط عربيته اللي بيغيرها كل تلات سنين عشان منظره قدام زمايله، ومشاريع وهمية تدخل فيها مع أصحابه وتخسر، ويجي في الآخر يقولي: "إيدك معايا الشهر ده يا مروة!"

فتحت الواتساب، وبعتّ لأختي الكبيرة "نهى" أطلب منها رقم المحامي زميل جوزها، وقالتلي عليه (أستاذ رأفت المهدي). كتبت لها: "المحامي هكلمه الصبح." ورجعت رتبت الأوراق في الشنطة بهدوء. مش هخرج في نص الليل أعيط في الشارع؛ البيت ده اتدفع فيه دمي وشقايا.

الساعة سبعة الصبح، المنبه رن. قمت كأنه يوم عادي جداً. لبست بلوزتي الكحلي وجيبتي السودا، لَميت شعري بعناية، حطيت كحلة خفيفة، وفتحت باب الأوضة وخرجت. طارق كان نايم على الكنبة في الصالة، والتلفزيون شغال. لما سمع صوت كعبي، اتمطع وفتح عينه بنص قفلة: "إيه ده؟ رايحة فين من بدري كده؟ والهدوم دي... فيه حاجة في الشغل؟"

اتمشيت لحد باب الشقة، مسكت مفاتيحي وشنطة إيدي اللي فيها الملف، ووقفت عند العتبة، التفتت ليه وقولت بنبرة باردة وواضحة زي السيف: "عايزة أريحك يا طارق. زي ما قولت للناس بالظبط إمبارح... بما إني استهلكت طاقتي ومبقاش فيا نَفَس، فمن حقك ترتاح ومن حقي أرتاح."

قعد بسرعة على الكنبة ومسح وشه بإيده: "إنتي لسه في أم الهبل ده؟ بقولك هزار!"

"لا، مش هبل. أنا رايحة الشغل، ومن الشغل عندي ميعاد مهم هيعجبك أوي نتيجته."

فتحت باب الشقة وخرجت، وقبل ما يستوعب، قلتله: "أرجو لما أرجع العصر ألاقي شنطتك ملمومة في الصالة، عشان الشقة دي من النهاردة مش هتساعنا إحنا الاتنين." وسبت باب الأسانسير يتقفل على وشه.

وصلت الشركة على الساعة تمانية ونص. خلصت الشغل العاجل، وفي ميعادي الساعة عشرة نزلت قابلت الأستاذ رأفت المهدي في مكتبه في روكسي. قعدت قدامه وطلعت الملف الأزرق، وحطيت كشوفات حساباتي لآخر تمن سنين اللي بتثبت بالقرش والمليم إن كل شيكات الأقساط ومقدم الشقة وتكاليف التشطيب مدفوعة من حسابي الشخصي، في حين إن حسابه هو مخرجش منه جنيه واحد. وطلعت كمان إيصال أمانة كان ماضيهولي من تلات سنين بميتين وخمسين ألف جنيه لما أخد دهبي وباعه ودخل بيه في مشروع شركة الشحن وخسر.

المحامي قلّب في الورق بتركيز وقالي: "موقفك القانوني حديد يا فندم. معاكي إثبات صريح لسداد كامل تمن العين من ذمتك المالية المنفصلة. وإيصال الأمانة ده لوحده كفيل يخليه يتفاوض وراسه في الأرض. إنتي ناوية على إيه؟ طلاق للضرر ولا خلع؟"

رديت بنبرة مفيهاش تردد: "أنا مش عايزة بهدلة محاكم بالسنين يا متر، أنا عايزاه يخرج بالمعروف.. الشقة دي شقايا وشقا ولادي، يكتبلي نصيبه فيها تنازل رسمي، وقصاد كده يتنازل عن كل حاجة ويطلق بهدوء ويسيبلي إيصال الأمانة، أو الإيصال هيروح النيابة قبل العصر."

خرجت من عنده وأنا حاسة بالخفة والحرية. فتحت تليفوني لقيت مكالمات ورسايل كتير فايتة من طارق كله تهديد ووعيد، فبعتله رسالة واحدة: "أنا في طريقي للشقة، جهز نفسك عشان المحامي منتظر ردي الساعة أربعة."

رجعت العمارة على الساعة تلاتة ونص. أول ما فتحت الباب، لقيته واقف في الصالة، وشه أحمر من الغضب: "إيه اللي بتكتبيه ده؟ وإيه الجنان ده؟ ده بيتي ومكتوب باسمي زيك بالظبط!"

رديت ببرود: "كلم بابا وقوله بنتك اللي وقفت معايا تمنتاشر سنة وصرفت عليا وعلى البيت وجهزت الشقة من عرق جبينها، أنا إمبارح قعدت أهينها قدام الغريب وأقولهم خلاص عدادها قلب ومبقاش فيها نَفَس وعايز أبدلها بواحدة تانية! وشوف هما هيردوا عليك يقولوا إيه، ولا قولي إنت، تحب مريم وبنتك وكريم ابنك يدخلوا يسمعوا أبوهم بيقول إيه عن أمهم؟"

وشه بدأ يصفر، وبدأ يتلفت حواليه: "إنتي... إنتي ماسكة في كلمة هزار؟"

"لا يا طارق، مش عشان كبرت.. عشان صحيت." قعدت على الكرسي المفرد، وطلعت الفايل وورق كشوفات البنك وإيصال الأمانة وحطيتهم على الترابيزة: "دي كشوفات حساباتي.. مفيش جنيه واحد دخل من جيبك. وده إيصال الأمانة.. قدامك نص ساعة تلم هدومك وتخرج تقعد عند والدتك أو في أي مكان يعجبك. وبكره الصبح الساعة تسعة، هنتقابل قدام الشهر العقاري نتنازل ونتطلق بهدوء."

بعد نص ساعة، صوت باب الشقة اتفتح واتقفل وراه. مشي.

طلعت للصالة، فتحت الشبابيك على آخرها، ودخلت نسمة هوا باردة ونقية. التليفون رن، وكانت بنتي مريم بتطمن عليا وهي راجعة من الكلية مع اخوها كريم: "ماما، إنتي في البيت؟ عايزين حاجة نجيبها معانا؟"

صوتها كان دافي وفيه حياة. رديت براحة: "تعالوا يا حبايبي.. البيت مليان خير، تعالوا مستنياكم نتغدى سوا."

قفل الخط، وبصيت لنفسي في مراية الصالة. الهالات كانت لسه موجودة، بس عيني كانت بتلمع.. بتلمع بنور واحدة رجعت لروحها. مبقاِش فيا نَفَس يشيل حد عالة ولا يستحمل إهانة، بس كان فيا نَفَس جديد يكفي أعيش بيه اللي باقي من عمري حرة، عزيزة، وسيدة نفسي.

تم نسخ الرابط