واحنا ف المصيف

لمحة نيوز

قفلنا الباب بالضبة والمفتاح ومشينا، وإحنا فاكرين إننا بنهرب للراحة والبحر، وما كناش نعرف إن الشقة كانت بتتفرج علينا وإحنا ماشيين، ومستنية لحظة رجوعنا عشان تفهمنا سر نظرات الشفقة اللي كانت في عيون الجيران.

الأيام اللي سبقت السفر كانت عبارة عن لعب أعصاب بالبطيء، بس كنا بنكابر ونقول “إرهاق توضيب”. بعد موضوع الرجلين السودة اللي شفتها في المراية بيومين، بدأت الأصوات تتسلل لبيتِنا في أوقات غريبة. كنت أكون قاعدة في المطبخ بنضف الخضار، وأسمع صوت تهتيه وبكاء مكتوم جاي من بانيو الحمام.. صوت طفل صغير بيعيط بقهره، أول ما أجرِي وأفتح باب الحمام.. الصوت يقطع في ثانية، والبانيو ألاقيه ناشف ومفيش فيه نقطة مية!

أما بالليل بقى، فكانت حكاية تانية خالص.. أول ما نطفي النور وندخل السرير، تبدأ الشقة تعيش حياتها. نسمع صوت كعب جزمة ثقيل وبطيء بيمشي في الصالة من أول الباب لحد باب أوضتنا.. يفضل ماشي بانتظام: “تك.. تك.. تك..” ويروح واقف برة الأوضة تماماً! نقعد أنا وجوزي حابسين أنفاسنا تحت البطانية والعرَق مغرقنا، مستنيين الباب يتفتح.. بس الصوت يختفي، وبعدها بثواني نطلع نلاقي الصالة فاضية ومفيش فيها روح.

جوزي حاول يعمل فيها شجاع وقاللي: “دي أوهام عشان المكان جديد ولسه مش متعودين عليه، بكره لما نسافر المصيف نفصل ونرجع نلاقي كل ده اختفى.”

بس القشة اللي قطمت ظهر البعير كانت اللي حصل في الليلة اللي قبل السفر مباشرة.. كنا بنحط آخر شنطة على الترابيزة في الصالة، وفجأة النور قطع. الشقة بقت كحل، وجوزي ولّع كشاف الموبايل عشان يدور على الشواحن. وفي لحظة ما النور بتاع الكشاف جه على الحيطة.. سمعنا صوت خربشة حادة وطويلة جداً، كأن في ضوافر حديد بتتسحب على المحارة ورانا!

جوزي وجه الكشاف ناحية الصوت.. ولقينا حروف بتترسم على الحيطة بالدم أو بحاجة سودة ومزيتة، وكانت بتتكتب قدام عينينا من غير ما نشوف الإيد اللي بتكتبها! الحروف اتجمعت ورصت جملة واحدة بس: “السفر مش هيهربكم مني..”

في اللحظة دي، جوزي شد الشنط من غير ما ينطق حرف، وخدني من إيدي وجرينا على العربية.. كنا بنهرب وفاكرين إننا بنسيب الخوف ورا، وما كناش فاهمين إن الجملة دي كانت وعد، وإن اللي في الشقة مش مستنينا نرجع عشان يراقبنا.. ده كان بيحضر نفسه عشان يستقبلنا الاستقبال الأخير.

بعد الليلة المُرعبة دي، الصبح طلع علينا وإحنا شبه مجانين. الأطباق والكتب وقعت على الأرض لاتفتفت أول ما النور طلع، وكأن المكان بيرجع طبيعي مع أول خيط شمس!

أنا كنت بنهار وبلم هدومي في الشنط وعايزة أهرب بأي طريقة، بس جوزي كان عنده رأي تاني.. الخوف اتحول عنده لغل وتصميم. وقف وسط الصالة المكركبة وقال بصوت محروق: “أنا شقي عمري كله حطيته في الشقة دي.. مش هسيبها للشيء ده وأطلع بالشارع! لازم نعرف في إيه ومين اللي هنا!”

خرج من البيت ورجع ومعاه شيخ من المنطقة، راجل كبير ذو هيبة ودقن بيضا. الشيخ أول ما حط رجله على عتبة الشقة، وقف مكانه وشه اتغير تماماً. ما كملش خطوات لجوة، ورفع إيده ومسك صدره كأنه مش قادر يتنفس!

بدأ يقرأ قرآن بصوت عالي، ومع أول آية.. أجهزة البيت كلها اشتغلت لوحدها! التلفزيون اتفتح على صوت وشوشة عالية، والمراوح لفت بأقصى سرعة، وأبواب الشبابيك بدأت تضرب في الحوائط بعنف كأن في عاصفة جوة الصالة. الشيخ كمل قراءة وهو بيعرّق بغزارة، وفجأة صوته قطع ووقع على ركبه، ونطق بنبرة مسكونة بالرعب وهو بيبص لجوزي: “اخرج يا ابني.. اخرجوا فوراً! اللي هنا مش عمار عاديين.. دي شقة معمول فيها عمل أسود ومردوم تحت أرضيتها من سنين، واللي حارس المكان مش هيسيب حد يعيش هنا سليم!”

جوزي ما استسلمش، وجاب الشيخ التاني والتالت على مدار يومين.. واحد فيهم أول ما دخل وسمع الأصوات، لَف وخرج يسيّح في السلم من غير ما ينطق حرف، والثاني قالنا بكل صراحة وهو بيمسح عرقه: “الشقة دي اتسكنت قبليكم بدم، والدم بيطلب دم.. الحل الوحيد إنكم تسيبوها وتنجوا برواحكم، العند هنا معناه موتكم.”

الليل جه من تاني، والجيران اللي تحتنا طلعوا يترجوا جوزي وهو واقف على السلم ومعاه مفاتيحه، الجار الكبير مسك إيده وقال بصوت كله شفقة: “يا ابني إحنا شفنا اللي سكنوا هنا قبليكم.. اللي اتجنن واللي أذى نفسه! الشقة دي ملعونة من يوم ما بنيت العمارة، يغور الفلوس وتعيشوا سليمين.”

في اللحظة دي، واحنا واقفين على السلم بنكلم الجيران.. النور قطع في العمارة كلها، وسمعنا كلنا صوت ضحكة واطية وشريرة جداً طالعة من جوة شقتنا المقفولة بالضبة والمفتاح، وصوت حد بيخبط على الباب من جوة ببطء شديد، وكأنه بيفكرنا إن الوقت بيخلص.. وإنه مستنينا ندخل!

بعد كابوس الضحكة اللي طلعت من الشقة، جوزي أخد قرار مجنون، قال: “لو العمل تحت الأرضية زي ما الشيخ قال، أنا هكسر الشقة حتة حتة ومش هخرج منها إلا لما أطلعه!”

تاني يوم الصبح، جاب جوزي هيلتي ومطرقة ثقيلة، وبدأ يكسر في بلاط الصالة بكل غل، وأنا واقفة جنبه بلم الردم وإيدي بترعش. كسّرنا بلاط الصالة كله، ملقيناش حاجة.. دخلنا على المطبخ وحمام الشقة، ولا الهوا! لحد ما وصلنا لأوضة النوم الرئيسية.

أول ما الهيلتي نزل في بلاط الأوضة تحت السرير بالظبط، البلاط انهار ونزل لتحت وكأن في تجويف أو أوضة مخفية تحت الأرضية! الريحة اللي طلعت كانت كفيلة تخلينا نرجع، ريحة عفونة ورطوبة مش طبيعية.

جوزي ولّع كشاف الموبايل وبص جوة الفتحة.. والصدمة شلتنا إحنا الاتنين!

تحت البلاط مكنش في جن ولا سحر أسود.. كان في سلّم ضيق نازل لغرفة سرية صغيرة مبنية بين سقف الشقة اللي تحتنا وأرضية شقتنا! وجوة الغرفة دي لقيناها..

لقينا هيئته! راجل كبير في سن، شعره أبيض ودقنه طويلة، عايش جوة الأوضة السرية دي ومعاه أجهزة صوت وسمّاعات معلقة في خرسانة الحوائط، وأحبال بتتحكم في فتح الدواليب، ومغناطيسات كهربائية متوصلة بسقف أوضتنا هي اللي كانت بتعلق الأطباق والكتب في الهواء بالليل!

اتضح إن الراجل ده هو المالك الأصلي للبيت، كان عايش في الغرفة المخفية دي من سنين وسادد مدخلها الأساسي من الشارع! كان بيستخدم الطرق دي والتكنولوجيا القديمة مع شوية خيل عشان يرعب أي حد يأجر أو يشتري الشقة، فيطفشوا ويسيبوها له، ويفضل هو yaخد فلوس البيع أو الإيجار ويطفش السكان ويبيعها تاني وتاني!

والجيران؟ الجيران مكنوش بيعطفوا علينا بسبب العفاريت.. الجيران كانوا متفقين معاه وشاربين من البئر معاه، وبياخدوا نسبة من كل زبون يطفش عشان يساعدوه في التمثيل ويهربوا السكان بنفس السيناريو!

على طول طلبنا الشرطة، والقبض عليه وعلى الجيران المتورطين في شبكة النصب والرعب دي. ومن اليوم ده، هدّينا الغرفة السرية تماماً، وردمنا الفتحة، وصلينا في الشقة.. ولأول مرة من شهور، الشقة سكنت تماماً ونامت في هدوء.

وعايشين فيها لحد النهاردة من غير ما حتى صرصار يتحرك بالليل!

تم نسخ الرابط