كشري سلفتي مني السيد

لمحة نيوز

ومبسوطة.
العصر أذن، وسمعت صوت رجليها وهي طالعة نازلة على السلم، بتتعمد ترزع الأبواب وتتكلم بصوت عالي وتقول كلام متلقّح أصل الناس اللي باصة في غيرها ما بتشبعش أبداً!
وسلفتي التانية ترد عليها وتضحك يا أختي ياما بنشوف، ربنا يكفينا شر العين الوحشة!
كنت سامعة كل حرف من المنور. دموعي نزلت غصب عني من القهرة، مسحتها بسرعة وقلت لنفسي لا، مش هخليهم يشوفوا ضعفي أبداً.
على المغرب، رجع جوزي من الشغل، قعد على الكرسي وقال ببرود نزلتي اعتذرتي لها؟
سكت لحظة، وبصيت في عينيه مباشرة، وقلت له لا يا أحمد، منزلتش. ومش هنزل.
رمى المفاتيح على الترابيزة بصوت عالي وقام وقف هو إنتِ مبتفهميش؟! أنا مش قايل لك من إمبارح تخلصي الحوار ده؟
قلت له بهدوء عكس البركان اللي جوايا التفاهات دي هي كرامتي يا أحمد. مرات أخوك باعتة لي الصبح بنتها الصغيرة بشنطة تموين، مكرونة وزيت وعدس، وبتقول لي خدي عشان ما تبصيش في عيشتنا! ده يرضيك؟
أحمد نفخ بضيق وقال وإيه يعني؟ يمكن شافت إنك محتاجة وحبت تجاملك؟ إنتِ ليه بتفسري كل حاجة بسوء نية؟
الكلمة دي قطعت آخر حبل كان باين بيني وبينه. بصيت له بذهول تجاماملني؟ بتبعت لي تموين تجاملني بيه بعد ما قالت عليا عيني فارغة؟ لو عايزني أعتذر، طلقني أحسن، لأن اللي تتنازل عن كرامتها بالشكل ده ما تستاهلش تعيش معاك.
البيت اتقلب سكوت تام. أحمد بصلي بصدمة، وفجأة سمعنا صوت دوشة على السلم، وصوت حماتي طالع من تحت وهي بتنادي يا أحمد! انزلوا لي حالا تحت!
أحمد بصلي بغيظ، وخرج ورزع الباب وراه ونزل. فتحت باب الشقة على مهل، ووقفت أسمع إيه اللي بيحصل تحت عند حماتي. الصوت كان عالي جداً. سمعت سلفتي بتعيط وبتقول شوفتي يا حماتي؟ من يوم ما طلبت طبق الكشري والبيت اتقلب، الواد الصغير سخن فجأة ورجع، والخلاط اتحرق! عينها وحشة ومدورة!
وحماتي بصوتها الحاد قالت البت دي لازم تتربي وتعرف إن البيت ده له كبير، لو مش عاجبها عيشتنا تروح لبيت أبوها! خلوه يجيبها وينزل لي حالا!
دخلت الأوضة، مسكت تليفوني، واتصلت بأخويا الكبير محمد، وقلت له تعالالي يا محمد تعالالي حالا عند بيت حمايا، عشان أختك كرامتها بتتباع برخص التراب، والنهاردة الحساب هيتصفى.
قفلنا وسكتنا، وبعد دقايق أحمد طلع زي العاصفة وفتح الباب بعنف وهو بينادي انزلي معايا حالا اعتذري لأمي ولسلفتك!
بصيت له بنظرة قوية وقولت هنزل.. بس مش لوحدي، ومش عشان أعتذر.
مسكت الشنطة السودا في إيدي ونزلت معاه لشقة حماتي. دخلنا والصالة مليانة، وحماتي متصدرة الكنبة وسلفتي بتمثل العياط. أول ما دخلت، حماتي زعقت إيه يا بت، هو إنتِ جعانة عشان تطلعي تشحتي وبعدين تعملي عليها شريفة؟
رفعت الشنطة السودا في الهوا، وفكّيت الربطة بتاعتها، وقلت بصوت عالي وأنا بقلبها على السجادة قدام رجل حماتي النعمة على راسي ومن فوق يا حماتي، بس الإهانة تحت جزمتي! الحاجات دي بنتها جابتهالي الصبح وقالت لي ماما بتقولك خدي دول عشان متبصيش في عيشتنا!
سلفتي اتلجلجت وصرخت أنا كنت بساعدك!
رديت عليها بثقة أنا بيتي مستور وخيره كتير، مش مستنية كيس عدس منك عشان تعايريني!
حماتي خبطت على رجليها وزعقت ده إنتِ لازم تتربي! يا أحمد، لو البت دي مباستش راس سلفتها وراسي دلوقتي، تاخد هدومها وتروح لأهلها!
أحمد بصلي برجاء ممزوج بتهديد يلا يا نادين، اخلصي وبوسي راس أمي وخلي الليلة تعدي!
في اللحظة دي، جرس الباب رن رنة قوية. فتح أحمد الباب، ولقى أخويا محمد ومعاه ابن عمي الكبير. محمد دخل بيبان عليه الوقار والصرامة، وبص لحماتي وحمايا وقال السلام عليكم. أختي رنت عليا وقالت لي ألحقني، وأنا أختي خط أحمر مبيتكسرش!
محمد قرب مني، وحط إيده على كتفي وهو باصص للشنطة المرمية على الأرض، وقال بحزم خير يا عمي؟ إيه اللي رامي أكياس الأكل دي؟ وأختي هنا بتتهان ليه؟
حماتي حاولت تلم الموضوع وتظهر مظلومة، بس محمد ضحك ضحكة ساقعة وقام واجه أحمد بحسابه على سلبيته وخنوعه. حمايا ضرب بعصايته في الأرض وقال بصوت عالي بس! اخرسوا كلكم! وبص لحماتي وللستات بغضب عارم من إمتى وإحنا بنربي عيالنا على كسر خاطر الناس؟ البت طلبت طبق أكل بحسن نية، تقوموا تقلبوها سارقة وحاسدة وتطردوها؟ البيت ده طول ما أنا عايش فيه، كرامة أي واحدة دخلت على اسم ولادي من كرامتي أنا شخصياً!
وبعدين بص لأحمد وقاله بلهجة قاسية وإنت يا خايب، اللي مش عارف تقف لمراتك في الحق، ترضى إن أختك يتعمل فيها كدة في بيت جوزها؟ انطق!
أحمد فضل ساكت ومكسور. محمد بص لي وقال بحنان وصرامة اطلعي يا نادين هاتي هدومك وهدوم عيالك. إحنا معندناش بنات بتتهان ولا بتعيش في بيوت مفيهاش أمان.
أحمد اتخض وقال لا يا محمد! دي مراتي وعيالي!
محمد رد بجمود أختي هتروح تقعد في بيت أبوها معززة مكرمة أسبوعين، لحد ما تقعد مع نفسك وتفهم يعني إيه تصون كرامة اللي عايشة معاك، وتيجي ساعتها نتفاهم بشروطنا.
حماتي حاولت تلين الكلام، بس أنا بصيت لهم باحترام لعمي، وقلت حضرتك على راسي يا عمي، بس أنا فعلاً محتاجة أرتاح شوية في بيت أهلي، عشان اللي اتكسر جوانا مش هيتصلح في يوم وليلة.
طلعت شقتي، لميت هدومي وهدوم ولادي، وأحمد كان بيعيط وبيتوسل متسيبيش البيت، فقلت له العتاب بيكون للي باقي على خاطرك، لكن لما تبيعني بالرخيص عشان ترضي غيري، ده مش كلام حريم، ده اختبار لرجولتك وإنت سقطت فيه.
نزلت وركبت العربية مع أخويا. وقعدت في بيت أهلي أسبوعين، أحمد مكانش بيبطل اتصالات واعتذارات، وجه قعد مع إخواتي، وتعهد قدام عيلتي كلها إنه عمره ما هيسمح لمخلوق يقلل من كرامتي، وإن شقتنا هتبقى مقفولة علينا لوحدنا تماماً.
رجعت شقتي بعد ما اتعلمت الدرس الأكبر في ناس القرب منهم نقمة، وحسن النية معاهم سذاجة. طبق الكشري كان تمنه غالي أوي، بس فتح عيني على حقيقة كل واحد حواليا، وخلاني أعرف إن الكرامة لما بتتوضع على الميزان، مفيش أي حاجة تانية ترجح كفتها. ومن اليوم ده، المنور فضل مفتوح، وريحة الأكل بتطلع وتزل، بس الباب فضل مقفول بالضبة والمفتاح، لأن اللي ميقدرش قيمتك وإنت فاتح له قلبك، ملوش غير إنك تقفل في وشه الباب للأبد.

تم نسخ الرابط