الأكل فيه سم
رديت عليه بهدوء: «أنا هاخد أختي عند بابا وماما لحد ما نعرف بالظبط إيه اللي بيحصل.» الحاجة إلهام اندفعت ناحيتي: «دي مش هتخرج من هنا! دي مرات ابني!»
بابا وماما وصلوا في نفس اللحظة، وأول ما بابا شاف دينا بالشكل ده، وقف مصدوم. ماما قربت منها : «بنتي… إنتي مخبية علينا كل ده؟» دينا انهارت. طارق فضل ساكت، لحد ما بابا حط عينه في عينه وقال: «بنتي هتروح معانا دلوقتي، وبكرة الصبح هنروح للدكتور ونعرف كل حاجة.» الحاجة إلهام بدأت تبرر: «أنا كنت بخاف عليها! أكل البيت أنضف من أكل بره!»
لكن أنا طلعت عينة الأكل اللي كنت احتفظت بيها في كيس منفصل، وقلت: «تمام… عشان كده هنخلي الدكتور يشوف الأكل والأدوية، وكل واحد هيقول اللي عنده.» سكتت.
وفي اليوم التالي، الدكتور فحص دينا وطلب تحاليل عاجلة. بعد ساعات، خرج من المعمل وبص لنا بجدية وقال: — «الحمد لله إنكم جيتوا في الوقت المناسب… لكن لازم أعرف حاجة مهمة: مين كان بيديها الأدوية دي؟» بصينا لبعض. دينا كانت مرعوبة، لكن المرة دي رفعت عينيها وقالت:
— «حماتي… بس دي مش أخطر حاجة.» الدكتور قرب منها: «يعني إيه؟» دينا بلعت ريقها وقالت: «هي كانت بتحط حاجة في الأكل… وأنا شفتها بعيني أكتر من مرة.» ساعتها كلنا اتجمدنا مكاننا… لأن الحاجة اللي دينا شافتها كانت أخطر بكتير من مجرد أكل بايظ. والأغرب إن طارق كان عارف جزء من الحقيقة… وساكت.
— «شايفة إيه يا دينا؟» سألها الدكتور بتهدئة، بينما الكل كان مشدود الأعصاب، مستني الكارثة اللي هتنطق بيها.
دينا خدت نفس عميق، ودموعها نازلة على خدودها وهي بتبص لطارق اللي منزل راسه في الأرض، وقالت بصوت مكسور: — «الحاجة إلهام.. كنت بشوفها وهي بتحط بودرة غريبة أو قطرات ملهاش ريحة في الأكل والعصير بتاعي.. لما سألتها مرة وهي مدياني ظهرها، قالتلي إن دي أعشاب تبتلي بيها بطني عشان الولد يطلع "صلب" وما يدلعش.. بس كنت بحس بحرق رهيبة ودوخة تعصّب زماغي وتخليني مش قادرة أفتح عيني!»
الدكتور اتنهد بحزن وغضب وقال: «للأسف، التحاليل والأشعة وضحت إن الأدوية اللي كانت بتتاخد دي، مع السموم أو الأعشاب المجهولة اللي في الأكل، كانت مواد محفزة للانقباضات وبتاثر على الجهاز العصبي للجنين وليكي أنتي كمان.. دي كانت محاولة بطيئة وممنهجة لتسميم الجسم وتثبيط صحتك عشان...» سكت الدكتور كأنه بيراجع نفسه، بس كمل بحزم: «عشان تفضلي دايماً ضعيفة وتحت سيطرتهم التامة، أو يمكن لا قدر الله لخسارة الجنين لو مكنش الحمل ماشي على مزاجهم!»
ماما صرخت وحطت إيديها على وشها، وبابا اتحرك بغضب عارم ومسك في ياقة طارق اللي فضل واقف عاجز: — «أنت كنت عارف يا حيوان؟! أختك بتموت قدام عينك وأنت خايف من أمك؟!»
طارق انهار ودموعه نزلت وهو بيبرر بصوت مهزوز: — «أنا.. أنا يا عمي أمي كانت مفهماني إن دينا بتدلع وعايزة تلفت نظري، وإن الأعشاب دي عشان شدة الجسم.. لما شفت علبة دواء غريبة مرة، كلمت أمي وزعقت، فقالتلي إن دي فيتامينات غالية وهي جابتها من دكتورة صحتها.. صدقتها عشان مكنش عايز مشاكل في البيت بين مراتي وأمي! غصب عني.. مكنش قصدي أئذيها!»
مريم قربت منه وعينيها بتطق شرار وقالت بقسوة: — «الجبن والخنوع بتوعك دول هتدفع ثمنهم غالي أوي يا طارق.. اعتبر إن مرتك وابنك اللي في بطنها اتوفوا بالنسبة لك، لأننا رايحين حالاً القسم نحرر محضر رسمي بالحاج إلهام وبالأدوية اللي لقيناها والمستندات والتحاليل دي!»
في اللحظة دي، دخلت الشرطة مع بابا اللي كان كلم حد من قرايبنا ظابط مباحث فور ما خرجنا من الشقة، واتقبض على الحاجة إلهام وهي بتصوت وتزعق في الشقة وبتتهجم علينا.
دينا قضت أيام في المستشفى تحت الرعاية الطبية المشددة لحد ما صحتها تحسنت والجنين استقر بفضل الله. ومن أسرع الأيام اللي مرت، كانت ورقة الطلاق بتوصل لدينا وهي في بيت أهلها، وسط حمايتنا ورعايتنا، بعد ما أثبتنا بالدليل القاطع خطر البيئة دي عليها وعلى ابنها اللي جاي.
طارق خسر مراته وبيته وأمه دخلت السجن على ذمة التحقيقات بتهمة الشروع في إيذاء وإعطاء أدوية ومواد خطيرة بدون ترخيص طبى لحامل. أما دينا، فرجعت لها ضحكتها تدريجياً، وقررت تبدأ حياة جديدة كلياً مع ابنها اللي نور الدنيا بعد تعب طويل، وعرفت إن سندها الحقيقي في الدنيا دي هما أهلها اللي ما تخلوا عنها أبداً في أقسى لظظة.