سر الورقة الصغيرة
جلست في سيارتي أصارع ذهولي واسترجعت شريط ذكرياتي مع سناء؛ كيف كنا نتبادل الزيارات العائلية وكيف كان دان يتردد معنا لمساعدتها في إصلاح أعطال منزلها بعد رحيل زوجها باعتباره صديقاً للعائلة ووفياً لعشرة السنين. هل يعقل أن تكون الخيانة قد وقعت مع شخص قريب إلى هذا الحد؟ هل تحولت شهامة الرجال المزيفة إلى خنجر في ظهر الزوجة المخلصة؟ نظرت من خلف زجاج السيارة المظلم وراقبت دان وهو يقف أمام باب ذلك البيت العتيق ويطرق برفق، وبعد لحظات فتح الباب وظهرت سناء بوجهها المتهج وبسمة خفيفة ترتسم على محياها، وفتحت له الباب ليدخل وكأنه صاحب البيت الحقيقي. شعرت برغبة عارمة في الصرخ والبكاء وتحطيم كل شيء، لكن برودة غريبة سرت في عروقي وجمّدت الدموع في عيوني. قررت أن أترجل من السيارة وأواجههما وجهاً لوجه دون خوف أو تردد، فالحقيقة المرّة أفضل ألف مرة من العيش في كذبة ناعمة تهدم الكرامة تدريجياً.
ترجلت من سيارتي وخطوت بخطوات ثقيلة ومترددة نحو ذلك البيت المألوف، وكأن قدمي مغرزتان في الأسمنت من شدة الرهبة. طرقت الباب بخفة في البداية، ثم زاد طرقي قوة واشتعالاً مع كل ثانية تمر، حتى فُتح الباب ببطء وظهر دان أمامي وعيناه متسعتان من شدة الذعر والمفاجأة وكأنه يرى شبحاً خرج من القبر. خلفه ظهرت سناء وهي تمسك بباقة من الورد الجوري المماثل تماماً لتلك التي كان يحضرها لي كل جمعة، وعليها ذات الغلاف الورقي البسيط والسيقان الرطبة. وقبل أن ينطق أحدهما بحرف واحد، انطلقت الكلمات من فمي حارقة وغاضبة: "هكذا إذن؟ الباقات والورود ورسائل الغرام... أهذه هي الأمانة التي حافظت عليها طوال ستة عشر عاماً؟ مع صديقتي وفي بيتها؟" كنت أتوقع أن يرتبك أو يحاول اختلاق أعذار واهية كعادته، لكن ما حدث كان صادماً لدرجة أبكمت لساني وألجمت غضبي وجعلت الكلمات تتجمد في حلقي.
ابتسم دان بابتسامة حزينة ومكسورة خلت تماماً من أي مكر أو خبث، وتقدم خطوة نحوِي وامتدت يده المرتجفة لتلمس كفي المشتعلة غضباً، وقال بصوت خفيض يكاد يختفي وسط صمت المكان: "مهلاً يا أمينة... اقرئي الورقة الأخيرة قبل أن تحكمي عليّ بالموت." نظرت إليه بعدم تصديق ثم وجهت بصري نحو سناء التي بدت الدموع تترقرق في عيونها دون أن تنطق ببنت شفة، أشارت لي برأسها أن أتبعها إلى داخل الشقة الوثيرة الهادئة التي كانت تفوح برائحة البخور والبن المصري العتيق. جلست على أريكة صالة الاستقبال وأنا أنظر حول باقات الورد المتناثرة في كل مكان، بعضها في مزهريات قديمة وأخرى على الطاولات الخشبية، ولاحظت وجود دفاتر رسم وأدوات تزيين وأوراق مطوية في كل زاوية، فالتفتّ إليهما مطالبة بتفسير فوري لهذا اللغز المحير الذي كاد يدمر عائلتي وحياتي الزوجية برمتها.
أخذ دان نفساً عميقاً وجلس بجانبي على الأريكة، بينما قدمت لنا سناء كوبين من الشاي الساخن وجلست تقابلنا بوجه يحمل الكثير من الأسى والح Hب الخالص، وبدأ دان يروي القصة من بدايتها بكلمات مترددة محملة بالندم والاعتذار. قال بصوت متهدج: "تذكرين يا أمينة عندما كنتِ تشكين مراراً وتكراراً من أن حياتنا تحولت إلى روتين قاتل، وأن الشغف والرومانسية قد ماتا بيننا، وأنكِ تفتقدين تلك اللمسات البسيطة التي تعيد الحياة لقلبك؟ لقد ظللتُ طوال سنوات أفكر كيف أُسعدكِ وسط ضغوط العمل وقسوة الحياة المعيشية، لكنني لم أكن أعرف كيف أبدأ أو ماذا أفعل لتعويضك عن سنوات التعب والإرهاق." التفتت إلى سناء التي أكملت الحديث قائلة بصوت دافئ: "منذ وفاة زوجي، وجدت في الرسم وصناعة وتنسيق الزهور مهربة لروحي المتعبة ومصدراً بسيطاً أقتات منه لتربية أطفالي بعدما تعلمت فنون التنسيق اليدوي. وفي أحد الأيام، جاء دان إلى هنا صدفة ليسألني عن محل ورد قريب ليشتري لك هدية بسيطة في ذكرى ميلادك، وحينها تحدثنا طويلاً عن مدى حبك القديم للورود وعن جفاء الحياة الزوجية."
توقف دان قليلاً ليمسح عرين جبينه المتعب وأكمل قائلاً: "حين سمعت كلام سناء أدركت كم قصرت بحقك، وتذكرت أنكِ تستحقين الأفضل دائماً، فاقترحت عليّ سناء فكرة بسيطة لكنها عميقة؛ أن أقوم بشراء باقات الورد الأسبوعية منها، ليس فقط لدعمها مادياً ومساعدة جارتنا وأرملة صديقنا، بل لكي أتعلم بنفسي كيف أختار الورود وأهتم بتفاصيلها وأهديها لكِ في مساء كل جمعة كرمز لعهد جديد بيننا. لكن المشكلة كانت في طريقة إحضارها للبيت دون أن تلاحظي؛ فكنت أشتري الباقة منها قبل موعد انصراف العمل وأخفيها بسيارتي، وكنت أحياناً أضطر لتركها في مياه متفرقة أو شراء أنواع بسيطة لا تحمل اسم متجر معروف حتى لا تسألي وتفسدي المفاجأة." زادت حيرتي وتساءلت بصوت منخفض: "وما قصة الورقة إذن؟ ورقة (أراكِ الجمعة القادمة) التي كادت تدمر بيتي وتقتلني من القهر والشك؟"
ابتسمت سناء بمرارة وأخرجت من جيبها ورقة مشابهة تماماً، وقالت: "تلك الورقة يا أمينة لم تكن رسالة غرامية خبيثة كما ظننتِ، بل كانت جزءاً من خطة بسيطة بيني وبين دان لتشجيعه على الاستمرار في هذه المبادرة الجميلة؛ ففي كل جمعة، كنت أضع له ملاحظة صغيرة تذكيرية داخل غلاف الورد تحثه على جلب باقة جديدة في الجمعة القادمة وتكتب عليها عبارات تشجيعية عادية تجعله لا ينسى الموعد وسط زحمة مشاكله اليومية، وكنت أحياناً أكتبها بخط يديه لكي يبدو الأمر وكأنه هو من يهتم بالتفاصيل بنفسه، ولم نفرض أي اسم لأننا لم نتخيل أبداً أن تقع هذه الورقة بين يديكِ وتفهمي الأمر على نحو خاطئ تماماً." عمّ صمت ثقيل أرجاء الغرفة، واندمجت مشاعر الغضب العارمة التي كانت تحرق صدري فجأة في موجة جارفة من الدموع الساخنة، ولكنها لم تكن دموع الألم هذه المرة، بل كانت دموع الندم والراحة الهائلة التي غسلت روحي وقلبي من كل الشكوك السوداء التي غرست أظافرها في عقلي طوال الأسابيع الماضية.
نظرت إلى دان الذي كان ينظر إليّ بعينين ملؤهما الحب والخوف، وأدركت حينها كم كنت ظالمة ومتسرعة في أحكامي، فبدلاً من أن أقدر محاولاته المستميتة لإعادة إشعال شمعة الحب الخبتة بيننا، حولت نيته الطيبة وصنيعه الجميل إلى قضية خيانة وهمية من نسج خيالي وقلقي المستمر. وقفت واتجهت نحو دان واحتضنته بقوة أمام سناء التي كانت تبتسم وعيونها تلمع بالدموع، وهمست في أذنه وأنا أبكي على وقته ومجهوده الصادق: "سامحني... لقد ظننت الأسوأ، ولكني أحببتك أكثر الآن." عُدنا إلى منزلنا في ذلك المساء ومعنا باقة الورد الجديدة التي اختارها دان بنفسه من عند سناء، ووضعناها في ذات المزهرية على طاولة المطبخ، ولكن هذه المرة لم تكن مجرد زهور ميتة تُزين المكان، بل كانت رمزاً لقصة جديدة وعهد متجدد بين زوجين عبروا معاً أعتى عواصف الشك وأثبتوا أن الحب الصادق قادر دائماً على العودة للحياة مهما بدا منطفئاً ومهما اشتدت ظلمات الظنون في قلوب البشر.