سر الورقة الصغيرة

لمحة نيوز

لم أتوقع أبداً أن تكون تلك الورقة الصغيرة المخبأة بين البتلات، هي السبب في أن أقف لاحقاً مشدوهة أمام بيت أعرفه جيداً! في البداية، بدا لي الأمر لفتة لطيفة للغاية. فبعد ستة عشر عاماً من الزواج، كان الحصول على ورد من دون مناسبة يشبه معجزة صغيرة تنبض بالحياة. مرت سنوات طويلة من العمر وسط زحمة المسؤوليات ومطالب الأبناء وتفاصيل الحياة اليومية الرتيبة في العاصمة المصرية، حتى إنني كنسيت طعم الرومانسية وباتت الأيام تتشابه كقطرات الماء. في مساء كل جمعة، كان "دان" يعود من عمله حاملاً باقة جميلة، تارة من الزنبق وتارة من التوليب أو الورد الجوري. يمدها إليّ بابتسامته المتعبة نفسها ويقول: «أنتِ تستحقين هذا». كنت آخذها وأضعها في مزهرية على طاولة المطبخ، وأنا أشعر بامتنان غريب وشيء من الندم، لأنني طالما اشتكيت من أن الحب والشغف قد انطفآ بيننا، وكنت ألوم نفسي سراً على جفائي وظنوني بأنه قد اعتاد عليّ فحسب دون أي اهتمام حقيقي.

لكن بعد بضعة أسابيع، بدأت ألاحظ أمراً يبعث على الشك. بعض الباقات كانت تأتي دون غلاف أنيق، وسيقانها رطبة وغير متناسقة، وكأنها كانت موضوعة في الماء في مكان آخر قبل أن تصل إليّ. وفي إحدى المرات، كانت هناك بتلة متضررة، كأن يداً أخرى قد أمسكت بها قبلي. بدأت الشكوك تتسرب إلى قلبي كالسم الناقع في العسل؛ فالرجل الذي اعتاد نسيان مواعيد ميلادنا وأعياد زواجنا، والذي كان بالكاد يجد وقتاً لالتقاط أنفاسه بين عمله المنهك والتزاماته، كيف تحول فجأة إلى عاشق رومانسي لا يفوّت جمعة واحدة دون مفاجأة؟ وعندما كنت أسأله عن المكان الذي يشتري منه، كان يعطيني إجابة مختلفة في كل مرة: «من المتجر القريب من العمل.» ثم في مرة أخرى يقول: «من ذلك المحل الملتصق بمحطة الوقود.» وحين أكرر السؤال بيوم آخر يقول: «من دكان صغير في الشارع الرئيسي.» تضارب الإجابات كان يوقظ في داخلي هاجس الخيانة الذي طالما خشيت حتى التفكير فيه، فالعقل البشري بطبيعته يميل إلى أسوأ الاحتمالات حين تنكشف خيوط الكذب الصغيرة.

وحتى جاء يوم جمعة، وبينما كان في الحمام، دخلت لأتخلص من الباقة القديمة، فلاحظت ورقة صغيرة مطوية ومخبأة في عمق الغلاف الورقي. لم يكن اسمي مكتوباً عليها، بل كان مدوناً فيها عبارة واحدة: «أراكِ الجمعة القادمة.» هزتني المفاجأة بعنف وشعرت بألم يعصر صدري كأن قبضة حديدية تطبق على أنفاسي، لكنني في تلك اللحظة بالذات، أدركت أن من حقي أن أعرف الحقيقة كاملة مهما كانت قاسية وموجعة. كيف لا وقد كرست زهرة شبابي لتلك الأسرة، ووهبت حياتي لراحة هذا الرجل؟ وفي الجمعة التالية، أخذت إجازة من عملي بحجة المرض، وأرسلت الأطفال إلى المدرسة مبكراً، ثم توجهت مباشرة إلى مبنى شركة زوجي في وسط المدينة. كانت سيارته تتوقف في الموقف المخصص له، فجلست أنتظر داخل سيارتي المعتمة، أعصابي مشدودة كأوتار آلة موسيقية تكاد تنقطع من شدة التوتر والقلق.

وقبل انتهاء ساعات عمله بثلاث ساعات، خرج من المبنى بخطوات تبدو متعجلة ومختلفة عن مشيته المعتادة، وركب سيارته الفضية، ثم انطلق في طريق معاكس تماماً للاتجاه المؤدي إلى منزلنا. تبعته عن بعد وأنا أحافظ على مسافة آمنة بيننا، متجاوزة السيارات والشوارع المزدحمة في القاهرة، بينما كان القلق يعصف بقلبي ويجعله يدق بقوة مخيفة تهدد بكسر أضلعي. طافت بخاطري آلاف الصور والسيناريوهات المرعبة؛ هل يتردد على شقة مشبوهة؟ هل هناك امرأة أخرى في حياته سرقته مني بعد كل هذا العمر؟ وأخيراً، توقف على جانب الطريق الهادئ في حي سكنية قديمة ونزل من السيارة بعجل. ارتجفت يداي على مقود السيارة وتملكني الخوف الشديد... فقد كنت أعرف ذلك البيت جيداً! إنه بيت صديقتنا القديمة وجارتنا العزيزة "سناء" التي توفي زوجها قبل سنوات واضطرت للعيش وحدها مع طفليها الصغيرين في تلك المنطقة العتيقة.

تم نسخ الرابط