مرات ابني

لمحة نيوز

وصلت. دخلت المطبخ. ولما شافت المكونات كلها مرصوصة قدامها، وقفت مكانها. بصت على اللحمة. وبعدين عليا. وقالت بهدوء: حضرتك عارفة، صح؟

ما جاوبتش فورًا. مسكت الكرسي وقعدت. وقلت: من فترة.

وشها احمر. نزلت عينيها للأرض. من إمتى؟

قلت: من يوم ما لقيت كيس المطعم في الزبالة.

سكتت.

كملت: وبعدها شفت إيصال.

وشها زاد شحوب.

وبعدها شفت التارت بتاع جدتك على صفحة المطعم.

حطت إيدها على وشها. وقالت: أنا آسفة.

قلت: أنا مش عايزاكي تعتذريلي دلوقتي.

رفعت عينيها.

قلت: أنا عايزة أفهم.

سكتت شوية، وبعدين قالت: أول مرة عزمتكم فيها... أنا فعلًا حاولت أطبخ.

افتكرت أول عزومة عندها. الفراخ كانت ناشفة. والبطاطس زيادة في الفرن. والحلو كان شبه سايح.

قالت وهي بتتكلم بصعوبة: بعد ما مشيتوا، فضلت أعيط.

استغربت. ليه؟

قالت: عشان حسيت إني فاشلة. قعدت قصادي. طول فترة خطوبتي أنا كنت بسمع ابني حضرتك بيحكي عن أكلك. وعن عزومات الجمعة. وعن إن البيت عندكم دايمًا ريحته أكل. ابتسمت ابتسامة مكسورة. كنت فاكرة إن عشان أبقى ست بيت كويسة، لازم أبقى زيك.

قلت: وساعتها طلبتي أكل من مطعم؟

هزت راسها: الأسبوع اللي بعده. والناس مدحت.

آه.

فكررّتيها.

آه.

بدأت تعيط. وبعد كده الموضوع خرج من إيدي. كل أسبوع الناس كانت مستنية مني حاجة أحسن. وكل مرة كنت بقول لنفسي هقول الحقيقة الأسبوع الجاي. بصتلي. وبعدين بدأت أحس لو قلت الحقيقة دلوقتي، شكلي هيبقى أسوأ.

فضلت ساكتة. وبعدين سألتها: وموضوع كورسات الطبخ؟

غمضت عينيها: غلطة.

غلطة؟

قلتها كده وسط الكلام، ولما الناس اتحمست... خوفت أرجع في كلامي.

فضلت أبصلها كام ثانية. وبعدين قلت: طيب.

مسحت دموعها. واضحة إنها كانت مستنية إني أزعق. أو أقول لها: هفضحك.

لكن بدل كده، قمت وطلعت مريلة من الدرج. وحطيتها قدامها.

قالت: إيه ده؟

قلت: مريلة.

ليه؟

قلت: عشان النهارده هنتعلم نعمل اللحمة دي بجد.

بصتلي بعدم فهم: إنتِ مش هتقولي للعيلة؟

قلت: لأ.

شهقت تقريبًا: ليه؟

قلت: لأن لو فضحتك، يمكن أخليكي تخافي مني أكتر. وبعدين شورت على المكونات. لكن لو علمتك، يمكن بعد كده ماتحتاجيش تكدبي.

فضلت ساكتة.

قولتلها: بس في شرط.

إيه؟

موضوع كورس الطبخ يتلغي.

هزت راسها بسرعة: طبعًا.

قلت: ولما تبقي فعلًا اتعلمتي، لو حبيتي تعملي كورس يومًا ما، اعمليه وإنتِ فاهمة بتعلمي الناس إيه.

هزت راسها تاني.

قلت: والشرط التاني أهم.

بصتلي بقلق.

من النهارده، مفيش وصفة جدتك، ومفيش وقفت من الساعة ستة الصبح لو إنتِ أصلاً طلبتي من مطعم.

نزلت عينيها: حاضر.

قلت: لو طلبتي أكل، قولي طلبت أكل. لو طبختي، قولي طبخت. محدش هيكرهك عشان مش شيف. لكن ممكن يخسر ثقته فيكي عشان الكدب.

بدأت تعيط تاني. بس المرة دي قالت: أنا فعلًا كنت عايزاكي تعجبِي بيا.

الكلمة دي وقفتني. سألتها: أنا؟

قالت: آه. وقالت بصوت واطي: كنت طول الوقت حاسة إن حضرتك شايفاني أقل من ابنك.

رديت فورًا: أنا عمري ما فكرت كده.

قالت: بس أنا كنت حاسة كده.

وهنا لأول مرة، فهمت إن الموضوع مش مجرد بنت بتحب تتمنظر. كانت خايفة. وبتحاول تثبت نفسها بطريقة غلط.

بعدها لبست المريلة. وقلت لها: أول درس بقى.

ابتسمت وسط دموعها: إيه؟

قلت: ماتحطيش اللحمة كلها في الحلة مرة واحدة.

ضحكت. وبدأنا.

لما باقي العيلة وصلوا، سارة قالت لهم إن الخطة اتغيرت. وقالت: النهارده منى هي اللي هتعلمنا.

ابني ضحك وقال: وإنتِ؟

بصتلي. وبعدين قالت: أنا أول تلميذة.

محدش فهم الجملة غيري. طول اليوم كانت بتسأل. وتغلط. وتعيد. مرة حرقت جزء من البصل. ومرة زودت الملح. ومرة حطت اللحمة بدري. وكل مرة كنت أقول لها: عادي، نصلحها.

وفي آخر اليوم، لما حطينا الأكل على السفرة، محدش قال إنه أحسن أكل داقه في حياته. بس سارة أخدت أول لقمة. وبعدين بصتلي وسألت: كويس؟

قلت: لسه محتاج شغل.

وشها وقع. فابتسمت وكملت: بس المرة دي... ده أكل إنتِ اللي عملتيه.

ابتسمت. ابتسامة مختلفة تمامًا عن كل مرة كانت بتحط قدامنا فيها أكل مطعم.

وبعدها بأسبوع، سارة بعتتلي صورة طبق فراخ عملته في البيت. وكتبت: شكلها مش أحسن حاجة... بس أنا اللي عملتها.

بعتلها: وده أهم.

من يومها، الموضوع اتغير. العزومات بقت أبسط. مرة سارة تطبخ. مرة أنا. ومرة نطلب أكل جاهز ونقول عادي إنه جاهز. وماحدش مات. وماحدش قل احترامه ليها.

وبعد كام شهر، في عزومة عندها، عملت فراخ وبطاطس وسلطة. الأكل كان عادي جدًا. البطاطس ملحها زايد سنة. والفراخ محتاجة تستوي دقيقتين زيادة. لكن قبل ما نبدأ، سارة وقفت وقالت: بالمناسبة... كل حاجة على السفرة دي أنا اللي عملتها بنفسي.

سكتت لحظة. وبعدين ضحكت وقالت: ولو وحشة، المطعم الإيطالي لسه فاتح.

الكل ضحك. وأنا ضحكت معاهم. وبصيت لها. هي بصتلي. ومحدش في العيلة عرف السر اللي بينا.

يمكن كنت أقدر أفضحها. وكان ممكن أحس إني كسبت. لكن بدل ما أكشف كدبتها قدام الناس... علمتها إزاي ما تحتاجش تكدب تاني.

تم نسخ الرابط