مرات ابني
مرات ابني كانت طول الوقت بتجيب أكل من المطاعم وتقول إنها اللي طبخته لحد ما قررت في يوم أفتح عيون الكل
أنا اسمي منى، ومرات ابني سارة بقالها تقريبًا سنتين بتعمل عزومة الغدا العائلية عندها كل يوم جمعة تقريبًا. وكل أسبوع، كانت السفرة بتبقى حاجة تفتح النفس. مرة تعمل لحمة مطبوخة بصوص تحفة، ومرة مكرونة تقول إنها عاملاها في البيت من أول العجينة، ومرة تعمل صينية أو طبق رئيسي شكله كأنه خارج من مطعم خمس نجوم. وطبعًا الحلو لازم يبقى موجود. كل أسبوع تقريبًا كانت بتطلع لنا بنوع تارت أو حلو شيك جدًا، متزين بعناية وشكله احترافي بطريقة تخلي أي حد يشوفه يقول: يا بنتي إنتِ بتعرفي تعملي الحاجات دي كلها إزاي؟!
وسارة عمرها ما كانت بتفوت فرصة من غير ما تحكي لنا قد إيه الأكل ده أخد منها وقت ومجهود. كانت تقعد على السفرة وتقول بمنتهى الثقة: أنا من الساعة ستة الصبح وأنا واقفة في المطبخ. وأحيانًا وهي بتحط طبق قدامنا تقول: الوصفة دي بالذات قديمة جدًا أنا واخداها من جدتي. وطبعًا كل مرة كانت المجاملات تنهال عليها من كل ناحية. تسلم إيدك يا سارة. الأكل تحفة! بجد إنتِ لازم تفتحي مطعم. وابني كان بيبقى قاعد وسطنا وفرحان جدًا بيها. كنت بشوف الفخر في عينيه وهو سامع كل الناس بتمدح في مراته، وكأنه عايز يقول للكل: شوفتوا مراتي شاطرة إزاي؟
حتى مرات ابني التانية كانت معجبة جدًا بأكل سارة، وكل شوية تطلب منها وصفة. سارة، والنبي ابعتيلي طريقة المكرونة دي. أو: التارت ده لازم أعرف عملتيه إزاي. لكن الغريب إن الوصفات دي عمرها ما كانت بتتبعت. كل مرة سارة تضحك وتقول: حاضر، طبعًا، أول ما أفضى هكتبهالك بالتفصيل. وبعدها الموضوع يتنسي.
في البداية، أنا ما شكيتش في أي حاجة. بالعكس، كنت بقول لنفسي إن البنت بتحب بيتها وبتحب تجمع العيلة حواليها، ودي حاجة كويسة. لكن بعد فترة بدأت آخد بالي من حاجات صغيرة. وحقيقي، الموضوع كله بدأ بالصدفة. في مرة بعد الغدا، كنت بساعدهم ألم شوية حاجات من على السفرة. وكان في كيس زبالة صغير في إيدي، فخرجت أرميه في صندوق الزبالة اللي برا البيت. وأنا بفتح الصندوق، لمحت كيس سفري مستخبي تقريبًا تحت شوية أكياس تانية.
ما اهتمتش في الأول. لكن اسم المطعم اللي على الكيس شد انتباهي. كان مطعم معروف وغالي، ومن الأماكن اللي بتقدم أكل شبه جدًا الأكل اللي كنا لسه واكلينه على السفرة. وقفت ثانية أبص للكيس. وبعدين قلت لنفسي: عادي يمكن كانوا طالبين أكل امبارح. قفلت صندوق الزبالة ورجعت جوه. ما سألتش. وما قلتش لحد حاجة.
لكن بعدها بفترة حصل موقف تاني. سارة كانت مستعجلة وطلبت مني أجيب لها الموبايل من شنطتها. فتحت الشنطة أدور عليه، وفي قاع الشنطة كان في إيصال متكرمش. ما كنتش بدور وراها ولا بحاول أفتش في حاجتها، لكن الإيصال كان ظاهر قدامي. وكان إيصال طلب من مطعم إيطالي راقي. نفس نوع الأكل تقريبًا اللي سارة كانت مقدماه لنا قبلها على إنه من طبخ إيديها.
المرة دي الشك دخل دماغي فعلًا. لكن برضه ما اتكلمتش. قلت يمكن صدفة. يمكن طلبت منهم حاجة معينة واستفادت منها في الأكل. يمكن أنا اللي بفكر زيادة. لحد ما حصل الموقف التالت. كنت بتابع صفحة مطعم على إنستجرام، وفجأة نزلوا صورة لحلو عندهم. بصيت للصورة واتجمدت. كان نفس التارت اللي سارة دايمًا بتسميه: التارت المميز بتاعي. نفس الشكل. نفس التزيين. حتى طريقة التقديم كانت مطابقة تقريبًا. فضلت أبص للصورة شوية. وساعتها بدأت الصورة كلها تكتمل في دماغي. كيس المطعم في الزبالة. إيصال المطعم الإيطالي. والتارت اللي بتقول إنها عاملاه بإيديها موجود بالحرف على صفحة مطعم.
فهمت إن سارة، على الأغلب، بقالها فترة بتطلب جزء كبير من الأكل من المطاعم، وبعدها تحطه في أطباق البيت وتقدمه لنا على إنه من طبخها. ومع ذلك، سكت. سكت شهور. جزء مني كان بيقول: وإيه يعني؟ في النهاية إحنا بنتجمع وبناكل ونقضي وقت حلو مع بعض. هي بتجيب الأكل منين مش أهم حاجة في الدنيا. والجزء التاني مني كان خايف أفتح الموضوع وأعمل مشكلة بين ابني ومراته بسبب حاجة ممكن ناس كتير تعتبرها تافهة. ماكنتش عايزة أبقى الحماة اللي بتدور لمرات ابنها على الغلطة. ولا كنت عايزة ابني يفتكر إني بحاول أقلل من مراته أو أحرجها. عشان كده فضلت ساكتة. أسبوع ورا أسبوع. كنت بقعد على السفرة، وأسمع سارة وهي بتحكي قد إيه وقفت بالساعات في المطبخ. وأسمع الناس وهي بتقول: تسلم إيدك. وأشوف ابني وهو فخور بيها. وما أقولش كلمة.
لحد من حوالي تلات أسابيع. كنا كلنا قاعدين مع بعض بعد الغدا. وسارة كانت مبسوطة جدًا من كمية المدح اللي أخدتها يومها. وفجأة قالت قدام العيلة كلها: على فكرة أنا بفكر بجد أخيرًا أبدأ أدي كورسات طبخ.
الكل اتحمس. واحدة قالت: دي فكرة تحفة! والتانية قالت: إنتِ أصلًا خسارة في البيت، لازم تعلمي الناس. وابني ابتسم بفخر. لكن سارة كملت الجملة اللي خلتني أغير رأيي تمامًا. قالت: خصوصًا إني بقالي سنين عندي خبرة في تطوير الوصفات وتجربتها، فحاسّة إن الوقت جه إني أنقل خبرتي للناس.
بصيت لها في صمت. لأول مرة، الموضوع بالنسبة لي ما بقاش مجرد إنها بتشتري أكل من مطعم وتحطه في أطباق البيت عشان تاخد كلمتين حلوين. دلوقتي هي بتتكلم عن إنها هتبدأ تعلم ناس الطبخ بناءً على خبرة ووصفات بتقول إنها بتاعتها. وساعتها حسيت إن السكوت خلاص ما بقاش صح. كنت سكت شهور عشان ما أعملش مشكلة في بيت ابني. لكن لما الموضوع وصل إنها ممكن تاخد فلوس من ناس وتعلمهم وصفات هي أصلًا ما عملتهاش، قررت إن الحقيقة لازم تظهر.
بصيت حواليا لكل الموجودين اللي كانوا بيشجعوها ومصدقين كل كلمة بتقولها. وبعدين بصيت لسارة. وفي اللحظة دي أخدت قراري. المرة الجاية، مش هسيبها تحط أكل المطعم على السفرة وتحكي لنا إنها كانت واقفة تعمله من الساعة ستة الصبح. كنت ناوية أفتح عيون العيلة كلها، بس المرة دي، بالدليل. قررت إن العيلة كلها لازم تعرف الحقيقة...
لكن وأنا راجعة بيتي يومها، فضلت أفكر طول الطريق. هل فعلًا لازم أفضحها؟ هل لازم أقعد قدام ابني وباقي العيلة وأرمي الإيصالات على السفرة وأقول لهم: مرات ابنكم بقالها سنتين بتضحك عليكم؟ كنت أقدر أعمل كده. وعندي دليل كفاية. لكن كل ما تخيلت شكل ابني وهو باصص لمراته قدام الناس، وشكل سارة وهي متحاصرة ومفيش قدامها غير إنها تتفضح... حسيت إن ده مش هيصلح حاجة. ممكن يكشف الحقيقة، آه. لكن ممكن في نفس الوقت يهد بيت كامل.
فساعتها قررت أعمل حاجة مختلفة. أعلمها درس... من غير ما أكسرها.
الأسبوع اللي بعده، وإحنا قاعدين بعد الغدا، سارة رجعت تتكلم بحماس عن موضوع كورسات الطبخ. قالت: أنا بدأت أفكر أعمل أول ورشة صغيرة الشهر الجاي. مرات ابني التانية اتحمست وقالت: وأنا أول واحدة هاحجز! ضحكت سارة.
أنا بصيت لها وقلت بهدوء: طب ما نعمل بروفة الأول؟
سكتت. بروفة إيه؟
قلت: يوم طبخ عائلي. بدل ما إنتِ تعملي الأكل لوحدك، علمينا إحنا. نجيب المكونات، ونقف كلنا معاكي، وتورينا بتعملي الريش البقري والمكرونة والتارت إزاي.
وشها اتغير في ثانية. بس محدش أخد باله غيري. ابني قال بحماس: فكرة جامدة جدًا! ومرات ابني التانية قالت: أيوه! والنبي يا سارة، أنا بقالي سنتين بطلب منك الوصفات.
سارة حاولت تضحك: أصل أنا ما بعرفش أطبخ والناس واقفة فوق دماغي.
قلت بسرعة: وده أحسن تدريب للكورس.
اتحاصرت. بصتلي للحظة طويلة. أنا ما ابتسمتش ابتسامة انتصار. بس فضلت باصة لها. وساعتها، تقريبًا فهمت. فهمت إني عارفة.
قالت بصوت واطي: ماشي... نشوف يوم. واتفقنا على السبت.
يوم السبت، جهزت كل حاجة في بيتي. لحمة. بصل. ثوم. أعشاب. مكرونة ودقيق وبيض. كل حاجة ممكن تحتاجها لو فعلًا بتعرف تعمل الأطباق اللي بتحكي عنها. لكن قبل ما باقي العيلة توصل، أنا كنت متعمدة أقول لسارة تيجي بدري بنص ساعة.