شوربة النفاس
سكتت، وقلت لها: "أحمد هو اللي كان بيشرب الشوربة مكاني." وشها ابيض ورجعت خطوة لورا: "إيه؟" قلت: "كل يوم أنا ما شربتش غير كام معلقة، أحمد كان بيخلص الطبق." صرخت: "إنتِ مجنونة؟!" ومسكت دراعي: "إزاي تسيبيه يشربها؟!" نزعت إيدي منها وقلت: "ليه؟ إيه اللي في الشوربة يخليكي مرعوبة بالشكل ده إنه شربها؟" عينيها راحت ناحية الدولاب وهنا عرفت أنها فهمت. قالت: "إنتِ خدتي الكيس؟" قلت: "آه." مدت إيدها ناحية شنطتي فرجعت خطوة ورا: "ماتلمسيش الشنطة." قالت: "إنتِ مش فاهمة حاجة." قلت بصدمة: "أمال فهميني! جوزك ابنك في المستشفى بسبب الحاجة دي!" عينيها اتمليت دموع وقالت: "والله العظيم ما كنت عايزة أأذي أحمد." قلت: "يعني كنتِ عايزة تأذيني أنا؟" قالت: "لأ!" قلت: "أمال إيه؟" قالت: "أنا مش هقدر أقولك." قلت: "ليه؟" قالت: "لأن الموضوع مش سري لوحدي."
وقتها موبايلي رن وكان أحمد، رديت وصوته كان ضعيف: "مريم، إنتِ فين؟" قلت: "في البيت." قال: "ارجعي المستشفى حالًا، الدكتور طلب يشوفنا إحنا الاتنين." قلت لحماتي: "أنا لقيت الحاجة اللي كانت بتحطها ماما في الشوربة." قال أحمد: "خديها معاكي."
رجعنا المستشفى، دخلت أنا وحماتي أوضة أحمد وحطيت الكيس قدام الدكتور وقلت: "ده كان بيتحط في الشوربة." الدكتور أخده وقرأ الورقة وشم الأعشاب وقال: "هنحلله فورًا." أحمد بص لماما وسأل: "إنتِ كنتِ بتحطي ده لمريم ليه؟" قالت: "عشان صحتها." رفع الكيس وقال: "ومكتوب عليه ممنوع للرجال ليه؟" ما ردتش. قلت: "وكمان مكتوب 14 يوم، يعني كنتِ ناوية تفضلي تديهولي أسبوع كمان." بدأت تعيط وقالت: "أنا عملت اللي افتكرته صح." قال أحمد: "مين قالك تعملي كده؟" ما ردتش.
بعد ساعتين رجع الدكتور وماسك تقرير التحليل وقال: "عرفنا المادة اللي سببت المشكلة؛ الخليط فيه تركيز عالي من مستخلص عشبي غير آمن بالجرعات دي، وده يفسر إصابة الكبد عند أحمد." قلت: "يعني لو أنا اللي كنت شربتها..." قال: "كان ممكن يحصل لكِ ضرر برضه." لكنه كمل وقال: "بس فيه حاجة غريبة؛ المادة دي مش موجودة في كل الخليط بنفس التركيز، وغالبًا الكيس نفسه تم العبث بمحتواه، فالتركيز اللي لقيناه غير منطقي."
حماتي رفعت راسها فجأة وقالت وهي بتترعش: "عشان كده ريحته اتغيرت! أول يومين الشوربة ماكانت ريحتها بالشكل ده.. الكيس ده مش بتاعي!" قلت: "أنا لقيته في دولابك!" قالت: "الكيس الأصلي كان بتاعي، لكن الورقة اللي جواه مش أنا اللي كتبتها." وقعدت تحكي إنها قابلت ست عند دكتورة النسا بتبيع خلطات أعشاب للسيدات بعد الولادة فاشتريت منها كمية صغيرة لفتح الشهية، لكنها ماكانش فيها الورقة دي أصلًا ولا هي اللي كتبتها.
سأل أحمد: "ومين دخلها؟" قالت: "معرفش." قلت: "مين غيرك كان يعرف مكان الكيس؟" سكتت وفجأة عينيها اتغيرت وقالت: "منى.. أخت أحمد، سلفتي."
أحمد عقد حواجبه وقال: "مالها منى؟" حماتي قالت: "جت البيت اليوم التاني بعد ولادة مريم." افتكرت اليوم ده؛ منى فعلًا جت تزورني وقعدت ساعتين وفي نص القعدة قالت إنها داخلة المطبخ تعمل قهوة وفضلت هناك فترة طويلة. أحمد اتصل بيها وموبايلها كان مقفل. رجعنا البيت وفتحنا كاميرا الصالة؛ يوم زيارة منى الساعة 6:17 مساءً ظهرت وهي خارجة من المطبخ وفي إيدها كيس بني (نفس الكيس)، ودخلت الحمام دقيقة وبعدها رجعت المطبخ، وقبل ما تمشي وقفت عند باب الشقة وقالت لحماتي: "ماتنسيش الشوربة يا ماما، مريم لازم تشربها كل يوم."
افتكرت إن قبل ولادتي بشهر حصل خلاف بيني وبين منى بسبب محل سابه أبو أحمد وثبت إن منى سحبت منه فلوس من غير ما تقول، وأنا الوحيدة اللي أقنعت أحمد يتنازل عن جزء من نصيبه لها عشان ما يخسروش بعض. حماتي قالت: "منى ماكانت زعلانة من مريم، كانت زعلانة منك إنتِ يا أحمد؛ جتلي قبل الولادة بتعيط وتقول إنك هتعرف بموضوع سحب الفلوس (380 ألف جنيه) وتتهمها بالسرقة."
أحمد قال ببرود: "الشوربة ماكانت لمريم.. منى عارفة أمي وعارفة إنها مستحيل تعمل شوربة ليا أنا، لكن لو حصل لمريم تسمم بعد الولادة، مين أول شخص هيشرب أو يدوق أكلها؟ أنا." وفهمنا إن منى كانت متوقعة إني أنا هرفض الشوربة بطعمها وإن أحمد هو اللي هيشربها مكاني عشان تغيب فترة وتدخل المكتب تاخد دفتر وإيصالات تثبت تحويل الفلوس من حساب المحل، لكنها ما توقعتش إن ده يحصل سبع أيام ورا بعض حتى تضرر كبد أحمد. ولما سألناها عن ورقة "ممنوع للرجال" قالت إنها حطتها عشان لو ماما شافت أحمد بيشربها تمنعه، وأنها ماكانت عايزة تقتله بل تعبّه كام يوم بس.
القضية أخدت طريقها القانوني، وأحمد احتاج فترة علاج لحد ما وظائف كبده اتحسنت تدريجيًا. أما حماتي فبعد اللي حصل رمت كل أكياس الأعشاب في البيت، وفي يوم دخلت عليا بطبق شوربة عادي وقالت بحزن: "ماتخافيش.. فراخ وخضار بس، وأنا دوقت منها قبلك." ضحكت لأول مرة، ووقتها فهمت إن أخطر حاجة ماكانتش المادة المؤذية، بل إن اللي حطها كان واحد من أهل البيت وعارف كل واحد فينا هيتصرف إزاي قبل ما يتصرف.