شوربة النفاس

لمحة نيوز

بعد ولادتي القيصرية، كنت تعبانة جدًا وجرح العملية كان لسه بيوجعني لدرجة إني ماكنتش بعرف أقوم من السرير لوحدي، فحماتي نادية أصرت تيجي تقعد معانا كام أسبوع وقالت لأحمد: "مراتك لسه والدة ومحتاجة حد جنبها، وإنت مش هتعرف تاخد بالك منها ومن البيبي لوحدك." في تالت يوم بعد الولادة، دخلت عليا الصبح وهي شايلة طبق شوربة لونه بني غامق جدًا وحطته قدامي وقالت: "اشربيها وهي سخنة، دي مخصوص عشان تعوض الدم وتقوي جسمك." أول ما قربت الطبق من بوقي، الريحة ضايقتني وكانت ريحة أعشاب قوية ومُرة. دوقت معلقة وبالعافية بلعتها وقلت: "يا ماما، طعمها مُر أوي." ضحكت وقالت: "هو دوا ولا حلوى؟ اشربي يا بنتي، كل الستات زمان كانت بتشرب الحاجات دي بعد الولادة." شربت معلقتين كمان لكن معدتي قلبت، فقالت: "خلصيها براحتك وأنا هرجع آخد الطبق."

أول ما خرجت، أحمد دخل الأوضة وشاف وشي وقال: "مالك؟" شاورته على الطبق وقلت: "أمك عاملالي الشوربة دي، بس أنا مش قادرة أبلعها." ضحك وقال: "للدرجة دي؟" قلت: "جرب." أخد الطبق وداق بق كبير ووشه اتغير فورًا: "يا ساتر... دي مُرة فعلًا!" ضحكت وقلت: "أهو شوفت؟" حط الطبق قدامه وقال: "خلاص، سيبيهالي." افتكرته بيهزر، لكنه رفع الطبق وشرب الباقي كله. قلت: "أحمد! إنت بتعمل إيه؟" مسح بوقه وقال: "بدل ما ماما تدخل تلاقي الطبق زي ما هو وتفضل تزن عليكي، إنتِ مش ناقصة."

بعد شوية حماتي دخلت، بصت للطبق الفاضي وابتسمت: "أيوه كده! شاطرة يا مريم." ومن اليوم ده بقت عادة؛ كل صباح حماتي تدخل بنفسها بطبق الشوربة، وأنا أدوق منها معلقة أو اتنين، وأول ما تخرج أحمد يشرب الباقي، وحماتي ماكانت تعرف أي حاجة و Como كل ما تيجي تلاقيه فاضي تفرح وتقول: "كملي عليها، وهتشوفي جسمك هرجع بسرعة إزاي."

الموضوع فضل ماشي كده خمس أيام، لحد ما بدأت ألاحظ إن أحمد بيتغير؛ وشه بقى شاحب، تحت عينيه اسود، وكان طول الوقت مرهق. قلت له: "إنت مالك اليومين دول؟" قال: "مفيش، بس مش بنام كويس." افتكرت فعلًا إنه بسبب البيبي لأنه كان بيصحى معايا بالليل ويغير للبيبي ويعمل الرضعة لما أكون تعبانة. لكن في اليوم السادس، وإحنا بناكل الفطار، لاحظت إيده بترتعش وهي ماسكة الكوباية. مسكت إيده وقلت: "أحمد... إيدك بتترعش ليه؟" سحبها وقال: "يمكن السكر واطي شوية."

في اللحظة دي حماتي نادت من المطبخ: "مريم! الشوربة جاهزة." ودخلت بعدها بدقايق وحطت الطبق قدامي. أول ما خرجت، بصيت لأحمد اللي كان باصص للطبق بطريقة غريبة، وقلت: "خلاص، النهارده ماتشربهاش." قال: "ليه؟" قلت: "شكلك تعبان." ابتسم وقال: "يا بنتي الشوربة مالها ومال تعبي؟" ومسكها وشربها. بس المرة دي، أول ما خلص، دخل الحمام وفضل جوه فترة طويلة. لما خرج سألته: "إنت كويس؟" قال: "آه، معدتي بس مقلوبة شوية."

في اليوم السابع، تكررت نفس الحكاية. حوالي الساعة تلاتة العصر، كنت على السرير والبيبي جنبي، وفجأة سمعت دَوِي خبطة جامدة جدًا من الحمام. ناديت: "أحمد؟" مفيش رد. ناديت أعلى: "أحمد!" برضه مفيش. قلبي وقع، نزلت من السرير بالعافية وأنا ماسكة مكان العملية ومشيت ناحية الحمام؛ الباب كان موارب، دفعته وصرخت.

أحمد كان واقع على الأرض فاقد الوعي، راسه خبطت في طرف الحوض والدم نازل على وشه. رميت نفسي جنبه: "أحمد! فوق! أحمد!" حماتي سمعت صريخي وجريت، وأول ما شافت ابنها انهارت: "ابني! مالك يا أحمد؟!" اتصلنا بالإسعاف ونقلناه المستشفى، وفضل في الطوارئ أكتر من أربع ساعات. أخيرًا الدكتور خرج وقال إن جرح راسه احتاج ست غرز، لكن إصابة الرأس نفسها مش خطيرة. حماتي أخدت نفسها وقالت: "الحمد لله." لكن الدكتور كمل: "لأسف، فيه حاجة تانية مقلقانا؛ وظائف الكبد مش طبيعية، وإنزيمات الكبد مرتفعة جدًا."

اتصدمت؛ أحمد عمره ما اشتكى من كبده. حماتي قالت بسرعة: "يعني إيه يا دكتور؟ ابني عنده إيه؟" الدكتور بصلي أنا وقال: "ممكن حضرتك تيجي معايا دقيقة؟" مشيت معاه لآخر الطرقة، وهناك خفض صوته وسألني: "جوزك كان بياخد أدوية أو أعشاب أو أي مشروب معين بشكل مستمر الفترة الأخيرة؟" قلت: "لأ... على حد علمي." قال: "فكري كويس، لأن التحاليل بتشير إنه اتعرض لمادة سببت ضغط وضرر للكبد، ومش باين إنها جرعة واحدة، بل غالبًا كانت بتدخل جسمه بشكل متكرر تقريبًا من خمس لسبع أيام."

حسيت قلبي وقف؛ لأن الحاجة الوحيدة الجديدة اللي أحمد كان بياخدها يوميًا هي شوربة النفاس. رجعت ناحية حماتي وأنا مش عارفة أفكر، لقيتها قاعدة بتعيط. أول ما شافتني قامت: "الدكتور قالك إيه؟" بصيت في وشها وقلت: "لسه بيحاولوا يعرفوا السبب." بالليل أحمد فاق، قعدت جنبه وحكيتله كلام الدكتور، سكت شوية وبعدين بصلي وقال: "مريم... أنا الأسبوع ده ماخدتش أي دواء جديد." قلت: "وأنا عارفة." وفجأة قال: "الحاجة الوحيدة الجديدة كانت شوربة ماما."

تاني صباح، حماتي دخلت المستشفى ومعاها اتنين ترمس؛ فتحت واحد وقالت: "ده أكل خفيف ليكم." وبعدين فتحت التاني فنفس الريحة ونفس اللون البني الغامق ضربوا في مناخيري. صبّت طبق شوربة، لكن المرة دي ما مدتوش ليا بل مدته لأحمد وقالت: "اشرب يا حبيبي... دي هتقويك." أحمد مد إيده، لكن أنا مسكت الطبق قبله وقلت: "لأ يا ماما، الدكتور مانع عنه أي أعشاب أو شوربة دلوقتي."

وفي اللحظة دي، شوفت وش حماتي اتغير؛ ثانية واحدة ظهرت نظرة سريعة جدًا في عينيها قبل ما تبتسم، ماكنتض نظرة أم مستغربة، بل نظرة واحدة اتقفشت وهي بتحاول تعرف إحنا عرفنا إيه. بعد ما خرجت، أحمد بصلي وقال: "إنتِ شوفتي اللي أنا شوفته؟" هزيت راسي، وفي اللحظة دي أخدت قراري.

اتصلت بمامتي وخليتها تيجي تقعد مع البيبي، ورجعت البيت لوحدي. دخلت المطبخ ولقيت نص حلة من شوربة الصبح لسه على البوتاجاز، طلعت زجاجة نضيفة ومليت منها عينة عشان آخدها للتحليل. بعدها بدأت أفتش المطبخ لحد ما عيني وقعت على أعلى رف في دولاب المطبخ، الرف اللي حماتي كانت دايمًا تقفله بعد ما تخلص الشوربة. جبت كرسي وطلعت عليه بالعافية، مديت إيدي وفتحت باب الدولاب، وفي اللحظة اللي شوفت فيها اللي مستخبي جواه، فهمت كل حاجة.

في آخر الرف كان فيه كيس ورق بني متقفل كويس ومستخبي ورا علب قديمة. طلعته وكان جواه مجموعة أعشاب وجذور ناشفة مطحونة لونها غامق وريحتها هي نفسها نفس الريحة المُرة. واللي خلاني أقلق أكتر كان ظرف أبيض صغير جوه الكيس فتحته لقيت ورقة مكتوب عليها بخط إيد: "معلقة واحدة فقط يوميًا لمدة 14 يوم"، وتحتها تحذير: "ممنوع للرجال."

قلبي دق بعنف؛ يعني حماتي كانت عارفة إن اللي بتحطه في الشوربة مش أعشاب عادية. صورت الورقة بالموبايل وخدت الكيس كله، وقبل ما أنزل من على الكرسي سمعت صوت مفتاح في باب الشقة؛ حماتي رجعت. حطيت الكيس بسرعة في شنطتي، وأنا بنزل جرح العملية شد عليا فخبطت علبة وقعت على الأرض. دخلت حماتي وقالت: "مريم؟" قلت بهدوء: "كنت بدور على حاجة." قربت مني وقالت: "على إيه؟" قلت: "أي حاجة تفسر اللي حصل لأحمد." وشها اتغير وقالت: "وإيه علاقة مطبخي بأحمد؟" قلت: "الشوربة."

تم نسخ الرابط