قبل وفاة زوجي

لمحة نيوز

لكنه كان ضعيف جدًا والدكاترة قالوا إن خروجه مؤقت. وفي أول يوم رجع فيه البيت، وقف عند باب الصالة؛ نفس البيت اللي عشنا فيه سنين، نفس الكنبة، نفس الترابيزة، نفس رقعة الشطرنج، لكن المرة دي أنا كنت قاعدة لوحدي. حطيت كوب الشاي قدامي وقلت اقعد. قعد وبص للشطرنج وقال لسه بتلعبي؟. ابتسمت وقلت لسه. قال أنا فاكر أول مرة لعبنا. وأنا فاكرة. كنتِ بتخسريني عمدًا. ضحكت وقلت كنت مغرور. ابتسم للمرة الأولى، لكن الابتسامة اختفت بسرعة وقال سارة... نعم؟. لو طلبت منك تسامحيني؟. بصيت له على إيه؟. على كل حاجة.. أنا مش عارف أقول إيه. قلت يبقى ما تقولش. طب هتطلقي؟. أيوه. نزل عينه وقال إمتى؟. النهارده. رفع عينه بسرعة بالسرعة دي؟. إحنا اتأخرنا 13 سنة. سكت وبعدين قال وآدم؟. آدم ابني. هتمنعيه عني؟. بصيت له طول ما إنت أبوه، مش همنعه. حتى بعد اللي حصل؟. آدم مالوش ذنب.
في اليوم التالي، بدأنا إجراءات الطلاق. ما عملتش فضيحة، ما اتصلتش بأهله، ما نشرتش أي حاجة، وما طلبتش منه يتبرأ من يوسف، بالعكس، قلت للمحامي أنا مش عايزة أي حاجة تخص الولد. استغرب المحامي وقال متأكدة؟. أيوه. والشقق؟. الشقق اللي من حقي هاخدها. والعربيات؟. حسب العقود. والباقي؟. يفضل لابنه.
أحمد سمع الكلام وبصلي إنتِ فعلًا مش عايزة تنتقمي؟. قلت الانتقام كان هيخليني شبهك.. وأنا مش عايزة أبقى شبهك.
بعد شهر، تم الطلاق. خرجت من البيت بشنطة صغيرة، آدم كان واقف جنبي، وأحمد كان عند الباب. بصلي وقال سارة. لفيت وقلت نعم؟. إنتِ عارفة أكتر حاجة ندمت عليها؟. ما رديتش. قال إني افتكرت سكوتك ضعف. ابتسمت وقلت وأنا أكتر حاجة اتعلمتها؟. إيه؟. إن السكوت مش معناه إن الإنسان مش فاهم. وبعدين مشيت.
مرت 6 شهور، وأحمد حالته الصحية ساءت تاني. في يوم جالي اتصال من المستشفى قالوا لي إن أحمد طلب يشوفني. روحت ودخلت غرفته؛ كان أضعف بكتير، يوسف قاعد جنبه ومنى واقفة عند الشباك. أحمد بصلي وقال جايّة؟. أيوه. مسك إيد يوسف وقال أنا عدلت الوصية.. سبت له نصيب عادل. بص لمنى وقال وسِبت لمريم.. قصدي سارة. قلت مش محتاجة. هز راسه عارف. يبقى ليه بتقول؟. عشان لأول مرة في حياتي.. عايز أعمل حاجة من غير ما أكون أناني. سكت وبعدين قال أنا عارف إنك مش هترجعي. قلت لأ. وعارف إنك مش هتسامحيني بسهولة. أنا مش شايلة منك حاجة. بصلي دي أصجست جملة ممكن أسمعها. ابتسمت وقلت ليه؟. عشان معناها إنك خلاص خرجتي من حياتي. ما رديتش، لأنها كانت الحقيقة.
بعدها بأيام، توفي أحمد. أنا ما حضرتش لحظة وفاته، لكنني حضرت الجنازة، مش عشانه، عشان آدم. وقفت بعيد وشفت منى ويوسف؛ الولد كان بيعيط، فقربت منه وحطيت إيدي على كتفه وقلت أبوك غلط في حاجات كتير. يوسف رفع عينه وقال إنتِ زعلانة منه؟. بصيت للقبر وقلت كنت زعلانة زمان. ودلوقتي؟. دلوقتي خلاص. سكت وبعدين قلت إنت ابن أبوك.. والولد عيط أكتر.. وأنا مش هطلب منك تنسى ده، لكن افتكر كمان إنك مش مسؤول عن أخطائه. يوسف حضني فجأة وأنا حضنته، ويمكن كانت دي أول مرة ألمسه فيها، وأول مرة أحس إن كل الغضب اللي جوايا من السنين دي ما كانش لازم يتحول لكراهية.
بعد سنة، كان عندي شركتي اللي كبرت جدًا وبقيت أمتلك عقارات أكتر، والأهم إني كنت بعيش من غير ما أستنى حد يرجع البيت. آدم دخل الجامعة، وأنا بقيت أضي وقتي بين شغلي وبيتي.
وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي قدامي رقعة الشطرنج، نفس اللعبة اللي كنت بلعبها مع أحمد، لكن المرة دي ما كانش قدامي خصم، كنت بلعب ضد نفسي. وضعت قطعة الملك في آخر المربع وابتسمت، ولأول مرة فهمت معنى كل السنين اللي فاتت؛ أنا ما كنتش مستنية أحمد يموت، ولا كنت مستنية أخسرّه، أنا كنت مستنية اليوم اللي ما يبقاش عنده قدرة يتحكم في حياتي، وده اليوم اللي جه فعلًا.
قبل ما أقفل المكتب، وصلني ظرف من المحامي فتحته، وكان فيه آخر مستند المبلغ اللي كان أحمد أخده من الشركة على مدار السنين تم تسويته، والعقارات اللي كانت مرهونة رجعت رسميًا للشركة، أما نصيب يوسف ففضل محفوظ باسمه. أنا ما أخدتش حقه، ولا حرمت طفل من أبوه، ولا انتقمت من منى، أنا بس رجعت لنفسي الحاجة اللي كان فاكر إنه يقدر ياخدها مني.
قفلت الظرف وبصيت من الشباك؛ 13 سنة وأنا ساكتة، 13 سنة وأنا بجمع ورقة ورا ورقة، 13 سنة وأنا ببني لنفسي باب للخروج. وفي النهاية، ما احتجتش أصرخ، ولا أضرب، ولا أفضح، ولا حتى أقول كلمة واحدة زيادة. كل اللي عملته إني استنيت، ولما جه الوقت، فتحت الباب ومشيت.

تم نسخ الرابط