جوزي كان رافض تمامًا إني أجيب شغالة

لمحة نيوز

مسكت كف أمي. سألتها ومفتاحه فين؟
جابت من جيبها مفتاح صغير قديم، ومدته لي وقالت ده المفتاح معايا من يوم ما ماتت. تفضلي، افتحي يا بنتي، وشوفي إيه كتبته لك.
ترددت شوية، وبعدين خدت المفتاح وفتحت القفل. لما فتحت الغطاء، لقيت جواه ورق كتير، ومصوغات ذهب كانت لابسة أمي في صغري، ومحفظة جلد قديمة، ورسالة كبيرة مكتوبة بخطها ومغلفة. خدت الرسالة الأول، وقرتها بصوت أقرأ لنفسي
بنتي الغالية منى، لو تقرأي الرسالة دي، يبقى أنا رحت عند ربنا، وإن شاء الله تكوني كبرتي واتجوزتي وعيشتي حياة سعيدة. وأول حاجة عايزة أقولها لك، إنك غالية جداً عندي، ومكنتش عايزة أسيبك، لكن أمر الله نافذ.
بنتي، أنا وجوزك أبوكي ما متنا بحادثة سيارة عادية زي ما قولولك. لا، أبوكي كان شغال في تجارة، وكان عنده شريك، وده الشريك كان نصاب وحرامي، واخد كل فلوسه وورثه، ولما أبوكي طلب منه يرجع الحق، هدده وهددني وإنتي لسه رضيعه. وحاول يخلينا نمشي ونسيب البلد، لكن أبوكي رفض وقال الحق لسه هيرجع. فحط له في العربية حاجة خلتها تتعطل وتقلب، وماتنا سوا، ونجيتي أنا بأعجوبة.
وكل الورق اللي في الصندوق ده، هو إثباتات بكل اللي الشريك ده سرقه، وبيانات بحساباته وأملاكه، وشهود كانوا موجودين وخافوا يتكلموا. وكل ده كان أبوكي مجهزه عشان ياخد حقه، وسيبه لي عشان أسلمهولك لما تكبري. والذهب ده كان نصيبك من جدك وجدتك، وكنت مجهزاه لجوازك.
بنتي، خدي بالك من نفسك، ولا تخافي من حد. الحق مهما طال بياخد مجراه، وربنا مع المظلوم. وإن شاء الله تيجي يوم وتاخدي حقك، وتعيشي حياة كريمة من غير ما حد يظلمك. وسلميلي على طنط سمية اللي كانت وصيتي، وأحمد اللي كان ابنها الوحيد، وكنت عايزة تكونوا مع بعض، عشان أكون مطمنة إنك في أمان.
بحبك يا أغلى من روحي.. أمك.
خلصت القراءة وكنت مغرقة في دموعي، حماتي وبدأت تبكي هي كمان وقالت والله يا بنتي، كنت عايزة أقولك من زمان، بس الشريك ده لسه كان قوي، وله ناس في كل حتة، وكنا خايفين عليكي. وأحمد كان عايز ينتظر لحد ما يكون جاهز، ويجمع كل الإثباتات وياخد حقك، ولهذا ما بعتش يخبرك. وحتى لما جاب الشغالة، كان عشان يقدر يروح ويتابع الورق والقضايا، ومش عايزك تشكي ولا تعرفي لحد ما يخلص كل الحجة ويكون في أمان. وآسفة لو خليتك تحسي إننا بنخبي عنك، بس كل ده كان خوفاً عليكي.
وقتها دخل أحمد البيت، وكان واضح إنه جاي بسرعة، وشافني وأنا ببكي، وشاف الصندوق مفتوح. قرب مني وقال بصوت مليان ندم آسف يا منى آسف إني خليتك تحسي إنك مش مهمة، وآسف إني كتمت الحقيقة عنك. ما كنتش عايز أضغط عليكي، ولا عايز حد يأذيك. كنت بجمع الإثباتات من شهور، وبروح للمحامي، وكنت جاهز أروح أرفع القضية بكرة، وكنت ناوي أقولك كل حاجة وأنا واثق إنك في أمان. وكنت عايز أريح أمي عشان تعبانة، ومش عايزها تقلق من الموضوع ده، وكنت دافع للشغالة عشان أكون متأكد إن مفيش حد يعرف ويدخل، وحتى أميرة ما كانتش تعرف حاجة غير إن فيه أوضة مقفولة. وآسف إني قلتلك كلام وجع قلبك، وآسف إني ظهرتلك كأني أناني، بس كنت بحاول أحميكِ.
كنت بسمعه وأنا مش عارفة أصدق ولا أزعل، لأن الحقيقة كانت كبيرة ومؤلمة، وفي نفس الوقت كانت مطمنة إنهم مش أشرار، بس كان طريقتهم غلط ووجعت قلبي. قلت له بعد ما هديت شوية الطريقة دي كانت غلط يا أحمد. ممكن تكون قلتلي من الأول، وكنت ساعدتك ووقفت جنبك، وكنت فهمت. بس إنك تخليني أحس إن تعبي رخيص، وإنك بتفضلهم عليا، ده اللي وجع أكتر من أي حاجة. الحق ده حقي، وحق أمي وأبوكي، ولازم نرجعه، بس لازم من دلوقتي ما يكونش فيه أسرار بيننا. الأسرار بتفرق، وحتى لو كان عير خير، لازم نكون مع بعض في كل حاجة.
مسك إيدي وقال والله ما هيتكرر تاني. من دلوقتي كل حاجة هنعملها مع بعض، وكل خطوة هناخدها سوا. حقك هيرجع، وكل اللي سرقوه هيرجع، وهدفعلك كل اللي طلبتيه، وهدفع تعبك السنين دي كلها، وهريحكِ بأي طريقة عشان تسامحيني.
من ذلك اليوم، تغير كل حاجة. بدأنا نرتب الورق والإثباتات مع بعض، وذهبنا للمحامي، ورفعنا القضية ضد الشريك القديم. وطلع إن الشخص ده كان لسه بياخد فلوس كتير بطرق غير مشروعة، ولما شاف الإثباتات القوية والشهود، خاف وبدأ يتفاوض، ورد كل اللي أخده، واعتذر، واتعهد إنه مش هيعمل مشاكل تانية. ورد الحق لي، ورد أملاك أهلي، وكنت جنب أحمد في كل خطوة، ووقفت جنبه لما كان محتاجني، زي ما كان هو واقف جنبي من غير ما أعرف.
وفي نفس الوقت، جبت الشغالة تساعدني مرتين في الأسبوع، زي ما كان بيعمل عند أمه، وأحمد كان هو اللي بيتابعها ويدفع لها من غير ما أقول كلمة. وبدأ يساعدني في البيت بنفسه، ويرجع من الشغل ويساعدني في الطبخ والتنضيف، ويقولي تعبك غالي، وأنتِ أغلى ما أملك. وصلح علاقته معايا، وصلحت علاقتي مع حماتي، وصرنا عيلة واحدة مفيش بينا أسرار ولا خوف.
وعرفت في النهاية إن الحق مهما طال بياخد مجراه، وإن
الناس اللي بتحبك ممكن تغلط في الطريقة، لكن قلبها بيكون طيب، وإن الصراحة هي أساس كل علاقة سليمة، وإن مهما كان السر كبير، فالصدق دايماً هو الحل اللي بيرد القلوب ويريح البال. وكنت شاكرة لأمي اللي وصت عليا، ولحماتي اللي حفظت الأمانة، ولأحمد اللي حاول يحميني بطريقته، واتعلم من غلطه، وكملنا مع بعض طريقنا بصدق ومحبة، من غير ما نخبي حاجة عن بعض أبداً.

تم نسخ الرابط