إمبارح اول ما صحيت من النوم منال علي
صرخت من خوفي يعني هو كويس ولا لأ؟
سكت شوية...
وقال تعالي بسرعة بس.
وقفل.
كنت حاسة إن أعصابي خلاص بتنهار.
بصيت على الفرن...
ريحة صينية البطاطس كانت مالية البيت.
افتكرت إن من كام ساعة بس كنت بضحك مع البنات، وبوعدهم إننا هنتغدى سوا.
إزاي اليوم اتقلب بالشكل ده؟
لبست الطرحة بسرعة، ومسكت الشنطة.
قبل ما أخرج، رن جرس الباب. فتحت.
لقيت جارتي أم محمد.
بصتلي وقالت مالك يا بنتي؟ وشك أصفر كده ليه؟
لقيت نفسي بعيط من غير ما أحس.
قلت مش عارفة... حد كلمني وقاللي ألحق أحمد.
من غير ما تسأل كتير قالت يلا... وأنا معاكي.
نزلنا بسرعة.
ركبنا تاكسي.
وطول الطريق كنت بحاول أكلم أحمد.
مفيش.
الموبايل مقفول.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلنا للمكان اللي الراجل وصفه.
أول ما نزلت...
اتجمدت.
ده مكان شغل أحمد.
بس الغريب...
كل العمال واقفين قدام المبنى.
ووشوشهم كلها متغيرة.
أول ما شافوني...
الكل سكت. حاسيت إنهم بيبصوا عليا بنظرات غريبة.
زي ما يكونوا مستنيينني.
قرب مني راجل كبير، وقال بهدوء
حضرتك مرات الأستاذ أحمد؟
هزيت راسي.
قال اتفضلي معايا.
دخلت وراه وأنا رجليا بتترعش.
وصلنا لمكتب المدير.
فتح الباب.
ولأول مرة...
شفت أحمد.
كان قاعد على الكرسي.
سليم...
مفيهوش خدش.
أول ما شفته جريت عليه.
أحمد!
بصلي ببرود غريب...
ولا حتى قام من مكانه.
وققبل ما أتكلم...
المدير قال الجملة اللي حسيت بعدها إن الدنيا اسودت قدامي
مدام أميرة... الأستاذ أحمد النهارده اعترف بحاجة... ولازم تكوني أول واحدة تعرفها.
بصيت لأحمد.
لقيته منزل عينه في الأرض...
وساكت.
وساعتها...
قال المدير
الحقيقة... إن جوزك كان مخبي عنك سر بقاله أكتر من ثلاث سنين...
فضلت واقفة مكاني، رجلي مش شيلاني، وأنا ببص لأحمد مستنية منه كلمة واحدة ينفي بيها اللي سمعته.
لكن هو كان منزل راسه، وساكت.
قلت بصوت متقطع
اتكلم يا أحمد... قول أي حاجة!
رفع عينه ناحيتي، وكانت أول مرة أشوفها مليانة دموع بالشكل ده.
المدير أخد نفس طويل وقال
الأستاذ أحمد مش متهم في حاجة... بالعكس، هو كان بيحاول يحمي أسرته.
بصيتله باستغراب.
يعني إيه؟
قال
من حوالي ثلاث سنين، أحمد عمل كل الفحوصات الطبية المطلوبة للشركة، واكتشف بالصدفة إنه عنده مشكلة صحية خطيرة. الحمد لله كانت قابلة للعلاج، لكن العلاج كان مكلف جدًا، وكان محتاج يسافر ويتابع باستمرار.
لفيت ناحية أحمد وأنا مش فاهمة.
قال بصوت مكسور
خفت عليكي... لو كنت قولتلك وقتها، كنتي هتبيعي دهبك، وتستلفي، وتعيشي في هم. وأنا كنت رافض أشوفك بالشكل ده.
سألته والدموع مالية عيني
طب كنت بتروح فين كل مرة تقول عندك شغل؟
قال
كنت بروح جلسات العلاج.
المدير كمل
وهو رفض ياخد أي مساعدات من حد، واشتغل ساعات إضافية، وباع عربيته من غير ما يقولك، وكل الفلوس كانت بتروح للعلاج وللبيت، عشان البنات ميحسوش بأي نقص.
افتكرت فجأة...
لما قاللي العربية عطلت واضطر يبيعها. وللما رفض يشتري لنفسه هدوم جديدة.
وللما كان يقولي كل شهر خلي الفلوس للبنات.
كل المواقف اللي كنت فاكرة إنها بخل...
طلعت تضحية.
بصيتله وقلت بوجع
والرسالة؟
ابتسم المدير وقال
دي كانت من الدكتور.
استغربت.
فتح أحمد موبايله ووراني الرسالة كاملة.
متقلقش... مراتك لسه ما تعرفش أي حاجة. نتائج آخر التحاليل ممتازة، ونقدر نقول إنك الحمد لله بقيت سليم تمامًا، وهتقدر ترجع تعيش حياتك الطبيعية.
حطيت إيدي على وشي.
أنا كنت قريت أول سطر بس...
وبنيت في دماغي ألف حكاية.
أحمد قرب مني، وقال وهو بيعيط
كنت ناوي أقولك النهارده بعد الغدا... كنت عايز أرجع البيت وأقولك إن ربنا كتبلي عمر جديد، وإن كل اللي تعبته خلص.
وقتها مقدرتش أتكلم.
حضنته بكل قوتي، وأنا بحمد ربنا من قلبي.
رجعنا البيت.
كانت صينية البطاطس لسه في الفرن، ريحتها مالية الشقة.
قعدنا أنا وهو والبنات حوالين السفرة، وكلنا بنضحك بعد يوم كنت فاكرة إنه نهاية حياتنا.
وفي اللحظة دي اتعلمت أغلى درس...
إن أسوأ عدو للإنسان هو إنه يحكم على الحقيقة من نص كلمة، أو رسالة ناقصة، أو شك من غير دليل.