جوزي وطلبات امه حكايا بسمة
حاجة.
تحميني؟ رديت عليه بضحكة ساخرة مكسورة. لا يا خالد، أنت كنت بتدمرني. لأنك خبيت عليا الحقيقة، ودفعتني أتخلى عن حقي وحق أمي عشان تغطي على غلطك. الحب ما بيبدأ بخداع، وما بيستمر بسرقة مدخرات أم الزوجة من ورايا. وأكبر دليل على كده إنك لما كنت محتاج مساعدة، رحت لامي أنت، وقولت لها ساعديني من غير ما بنتك تعرف، بينما كنت تقول لي دايماً عاملي أمي زي أمك أنت اللي عاملتها زي أمك فعلاً؟ لا، أنت استغليتها زي ما استغلتني.
سكتنا شوية، والصمت كان بيقطع الهوا بينا. بعدين كملت بجدية وثبات خالد، أنا مش هقدر أستمر معاك في جواز مبني على الكذب والخداع. بس أنا مش وحشة، ومش هقطعك وأنت في محنتك. هساعدك تصلح غلطتك، بس بالطريقة الصح. هنروح لأمي مع بعض، وتقول لها الحقيقة كاملة، وتكتب لها ورقة رسمية بكل المبلغ اللي أخذته، وكيف هترده. وهتتعهد قدامها وقدامي إنك من اليوم ورايح، أي مشكلة تواجهك، هتقولها لي بصراحة، ومش هتخبي عليا حاجة تانية. ولو وافقت أمك تساعدك تاني وهنا القرار ليها وحدها تبدأ ترد المبلغ من راتبك شهرياً، ولو عندك أي دخل إضافي، بيتم تخصيص جزء منه للسداد. وأنا هكون معاك، بس كشريك حقيقي نتحمل المسؤولية مع بعض، مش أنا اللي أدفع التمن لوحدي.
خالد بص لي بدهشة وأمل وندم في نفس الوقت، ومسك إيدي بكلتا إيديه، وقال بصوت مليان إخلاص شكراً... شكراً لإنك ما تركتني في المكان اللي وصلت له. أنا بوعدك، من اليوم، حياتي هتتغير. هعمل كل حاجه قلتيها، وهرد لكل واحد حقه، وهبدأ من جديد وبقلب صادق دي المرة.
وفعلاً، من تاني يوم، رحنا مع بعض لبيت أمي. ولما خالد وقف قدامها، ركع على ركبته واعتذر لها بكل دموعه وندمه، واعترف بكل اللي عمله بالتفصيل. أمي اللي قلبها أبيض وطيب بكت وهي بتسمعه، ورفعت إيده من على الأرض، وقالت له بحنان الأم قوم يا بني. الغلط اللي حصل درس ليك ولنا كلنا. وأنا هساعدك، بس بشرط ما حدش يخبي على التاني حاجة تانية. الحق والصراحة هما أساس أي علاقة، وبدونهم مفيش حب حقيقي. وأنا موافقة أستنى لحد ما ترد الفلوس، واللي ربنا يسهله، هيكون كويس.
مرت الشهور، وبدأت حياتنا تتغير ببطء. خالد استقال من الشغل اللي كان فيه، وبدأ مشروع جديد صغير محل لبيع الأدوات الكهربائية وكنت معاه بكل جهدي، أساعده في التنظيم والحسابات، وأشجعه كل ما يحس بالتعب أو اليأس. كان يرسل لأمي جزءاً من راتبه كل شهر بانتظام، ومعاه رسالة شكر واعتذار، وكانت أمي تقبلها بفرح وتدعيله بالبركة.
والأهم من كل ده... الجملة اللي كانت بتتكرر وتسبب لي ألم وضغط إنتِ مش بتعامليها زي أمك اختفت تماماً من بيننا. لأن خالد فهم أخيراً إن معنى المعاملة الحسنة مش في إني أنفذ كل طلبات أمه وأتخلي عن نفسي وعن أهلي. المعاملة الحسنة هي الاحترام المتبادل، والصراحة، والعدل. إن كنت أريد أن أعامل أمه كأمه، فعليه هو أيضاً أن يعامل أمي كأمه بالحب والاهتمام، ومن غير شروط ولا أغراض خفية.
وبدأت ألاحظ فرقاً كبيراً في تصرفاته؛ كل ما كانت أمه تطلب حاجة، كان يجيلي ويقول حبيبتي، أمي عايزة كذا، شايفة نعملها إزاي؟ كنا نقرر مع بعض، بروح التعاون والمحبة. وفي المقابل، هو بنفسه صار يبادر بالسؤال عن أمي، يزورها، يوصلها للدكتور، يجيب لها الدوا، يهديها الورد في المناسبات من تلقاء نفسه، من غير ما أطلب منه، ومن غير ما ينتظر مني أي مقابل.
في يوم من الأيام، جاتنا أمه في زيارة، وقعدنا مع بعض نتكلم ونضحك. لاحظت إن العلاقة بيننا اتغيرت تماماً؛ بقيت أقوى، أدفأ، مبنية على الصدق والثقة. لما رجعت أمه، وقفت جنبي خالد، وحط إيده على كتفي، وبص لي بحب حقيقي، وقال تعرفي يا حبيبتي؟ إن الكلام اللي قلتيه لي ذلك اليوم لما سألتني وأنت بتعامل أمي زي أمك؟ كان أحسن كلمة قيلت لي في حياتي. كان صحوة ليا، رجعني لطريق الصح، وخلاني أفهم إن العدل بين الناس هو أساس السعادة. وأنا من كل قلبي بشكركِ... لإنك ما استسلمتي، ووقفتِ قدامي وعلّمتني معنى الحب الحقيقي والمسؤولية.
ابتسمت له، وحطيت رأسي على كتفه، وحسيت بالسلام الداخلي اللي كنت أتمناه من زمان. رديت عليه وأنا بشكرك إنك سمعتني، واتعلمت، واتغيرت. الحياة مش بتمشي من غير أخطاء، المهم إننا نتعلم منها ونكمل الطريق مع بعض بقلوب صادقة وأيدي متشابكة.
ومن ذلك اليوم، بقى بيننا قانون واحد مشترك الصراحة قبل الحب، والعدل قبل العطاء، والاحترام المتبادل قبل أي واجبات. وكل ما حد يحاول يضغط على أحد الطرفين بطريقة غير منصفة، نرجع لبعضنا ونقول نحبهم... ولكن بالعدل. نعاملهم بالحب اللي يستحقوه، بس من غير ما نضيع حقنا أو حق أهلنا.
وبكده، تحولت الجملة اللي كانت مصدر ألمي إلى درس كبير تعلمناه معاً؛ درس في العدل، والصدق، ومعنى أن تحب بضمير حي وقلب سليم. ومرت السنين، وكبرت عائلتنا، وكبر معها الحب والاحترام بين كل أفرادها أمي وأمه، أنا وهو، وأولادنا اللي كبروا وشافوا فينا أصدق مثال للعائلة اللي بتتعامل بالحق والقلب معاً.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الدافئة، كنا قاعدين مع بعض
حول المدفأة، وخالد بيسمع أولادنا وهم بيحكوا قصصهم وأحلامهم. بص لي نظرة طويلة مليانة حب ورضا، وهمس بصوت ما سمعه غيري أنا لولا إنك وقفتِ لي في ذلك اليوم، وفتحتِ عيوني على الحقيقة، ما كنتش هعرف طريقي أبداً. أنتِ اللي أنقذتيني من نفسي، وأنقذتي عيلتنا من الدمار. بحبك... أكتر من أي وقت فات.
رديت عليه بنفس الهمس، وعيوني مليانة دموع فرح وأنا بحبك، وبفتخر بإننا بنينا حياتنا على الحق والصدق. وده أهم إرث نقدمه لأولادنا.