عدت من عملى مبكرا

لمحة نيوز

خطواته في الصالة، ثم صوت فتح الباب المصفح الخارجي، يليه صوت إغلاقه بقوة رزع الباب. في تلك اللحظة بالذات، فتحتُ عينيّ في الظلام الدامس. رفعتُ الغطاء عني بسرعة، وخرجتُ من الغرفة حافية القدمين دون أن أصدر أي صوت، وتوجهتُ مباشرة نحو غرفة الأطفال. الصدمة المرعبة كانت بانتظاري هناك.. حبيبة لم تكن خارج المنزل مع جديها كما ادعى أحمد! كانت مستلقية على سريرها الصغير، ترتدي بيجامة النوم، وغارقة في نوم عميق وثقيل للغاية. انحنيتُ فوقها وهززتها برفق ثم بقوة، وناديتُ باسمها حبيبة! حبيبة اصحي!.. لكنها لم تبدِ أي استجابة، ولم تفتح عينيها، بل كانت أنفاسها ثقيلة للغاية وكأنها تحت تأثير تخدير طبي! هنا صعقني الفهم وتجمد الدم في عروقي؛ الأعشاب الطبيعية البابونج والينسون التي حللتها في المستشفى وقالت المؤشرات إنها آمنة، لم تكن مسمومة نعم، ولكن حماتي غلتها لأربع ساعات كاملة لكي تصبح مركزة وثقيلة كالمخدر.. لقد سقوا حبيبة تلك الأعشاب قبل أن يتظاهروا بأخذها للنزهة، ليضمنوا أن تغط الطفلة في نوم يشبه الغيبوبة، فلا تستيقظ أو تشعر بأي شيء مهما حدث في الشقة من ضجة أو صراخ! لم يعد هناك مجال للتردد أو البكاء. شعرتُ بقشعريرة الرعب تكسو ظهري. انحنيتُ والتقطتُ حبيبة بين ذراعيّ، وجذبتُ حقيبة الظهر التي كنتُ قد جهزتها وخبأتها مسبقًا وبداخلها أوراقنا الثبوتية، شهادة ميلادها، والبطاقات البنكية، ثم اندفعتُ نحو باب الشقة الخارجي. فتحتُ الباب وتسللتُ إلى الممر الخارجي المظلم. لم أجرؤ على استدعاء المصعد خوفًا من أن يفتح بابه في الطابق الأرضي فأجد أحمد أمامي، فتوجهتُ فورًا نحو باب الطوارئ ونزلتُ الاثني عشر طابقًا ركضًا على السلالم. كنتُ أركض بجنون وأنا أحمل الطفلة المخدرة وحقيبتي، حتى بدأت أشعر بألم عاصف يمزق رئتيّ وفوق صدري، ورغم كل هذا الاهتزاز والعنف في الحركة، لم تستيقظ حبيبة وظلت غائبة عن الوعي في أحضاني. بمجرد أن وصلتُ إلى الشارع خارج المجمع السكني، أشرتُ لأول سيارة أجرة تاكسي لتقف، وركبتُ فورًا وتوجهتُ إلى فندق صغير مغمور وبعيد تمامًا عن منطقتنا. عندما وصلنا ودخلتُ الغرفة، وضعتُ حبيبة على السرير واطمأننتُ على أنفاسها. وفي تمام الساعة الثانية والنصف صباحًا، اتصلتُ بفني أقفال كنتُ قد تعاملتُ معه سابقًا، وعرضتُ عليه مبلغًا ماليًا ضخمًا ومغريًا ليذهب في الصباح الباكر جدًا إلى شقتي، ويقوم بكسر وتدمير ذلك القفل الذكي الجديد تمامًا وإزالته نهائيًا من الباب لكي يصبح بلا قفل. في ظهر اليوم التالي. كنتُ أجلس على طرف السرير في الفندق، أتناول البيتزا مع حبيبة التي بدأت تستيقظ ببطء شديد وتنظر حولي بخمول وكسل نتيجة أثر الأعشاب المركزة. فجأة، اهتز هاتفي المحمول بعنف وبشكل متتالٍ؛ كانت الإشعارات تنهال كالمطر. فتحتُ تطبيق الواتساب لأجد أن مجموعة السكان والملّاك الخاصة بالبرج السكني قد انفجرت تمامًا بالرسائل والفيديوهات. ضغطتُ على الرسائل الصوتية الثلاث التي أرسلها رئيس اتحاد الملاك متتالية، وكان صوته يرتجف من الهلع والغضب الحقوا يا جماعة! جوزك عامل إيه النهاردة يا مدام دينا؟! هو بايع عمره ومش عايز يعيش ولا إيه؟! البوليس مالي الدور عندكوا وقفل الشقة بالكامل! بأصابع ترتجف من الصدمة، فتحتُ مقطع الفيديو المرفق والمأخوذ من كاميرات المراقبة المثبتة في ممر طابقنا. كانت الكاميرا تسجل ما حدث في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.. أي بعد خروج أحمد بنصف ساعة فقط. ظهر في الممر المظلم ثلاثة رجال غلاظ الجثة، يرتدون أقنعة سوداء تخفي وجوههم بالكامل، ويحملون في أيديهم أسلحة بيضاء مرعبة سواطير وسكاكين ضخمة، وحبالاً، وأكياسًا قماشية كبيرة تستخدم لنقل الجثث! تقدموا بخطوات خفيفة وحذرة حتى وقفوا أمام باب شقتي مباشرة. رفع أحدهم يده القوية، وطرق على الباب المصفح ثلاث طرقات متتالية وثقيلة طاخ.. طاخ.. طاخ. ثم تراجعوا خطوة ووقفوا ينتظرون في صمت مطبق ومريب. بناءً على الخطة الشيطانية التي وضعها أحمد، كان من المفترض أن تستيقظ الطفلة حبيبة عند سماع الطرقات الثلاث، وتتوجه بعقلها الصغير لتفتح قفل الباب من الداخل بما أن القفل الذكي مستحيل الفتح من الخارج تمامًا حتى بالمفاتيح. كان دخول هؤلاء القتلة يتوقف على تنفيذ طفلة بريئة لحكاية الأرنب المطيع. لكن ما لم يكن يتوقعه أحمد ولا هؤلاء المجرمون، هو أنني هربتُ بالطفلة، وأن فني الأقفال قد جاء مبكرًا في الصباح وبناءً على أمري، قام بتدمير القفل بالكامل، مما جعل الباب مغلقًا ومحشورًا كالجدار الإسمنتي الصلب. انتظر الملثمون لعدة دقائق، وعندما لم يفتح أحد الباب، تملكهم الغضب والذعر وشعروا بأن هناك خطأ ما. بدأوا يضربون الباب بالسواطير والآلات الحادة محاولين كسره بالقوة، مما أحدث جلبة وضوضاء هائلة في سكون الليل، أيقظت الجيران في الطابق. قام الجيران على الفور بإبلاغ حرس البرج والشرطة، الذين أسرعوا وحاصروا الممر وقبضوا على المجرمين الثلاثة متلبسين بالأسلحة أمام باب الشقة! في مساء اليوم نفسه، توجهتُ إلى قسم الشرطة للإدلاء بأقوالي، وهناك كشفت لي التحقيقات عن البئر العميقة من الخيانة والندالة. انهار المجرمون الثلاثة في التحقيق واعترفوا بكل شيء؛ لم تكن هذه عملية سرقة أو سطو عشوائي.. بل كانت عملية قتل و تصفية مُخططة ومدفوعة الأجر بالكامل! والعقل المدبر؟ كان زوجي أحمد، بالاشتراك مع والديه، و صديقتي المقربة من أيام الجامعة مروة! أحمد ومروة كانوا متجوزين فى السر منذ سنوات، و كان أحمد قد قام مؤخرًا بالتأمين على حياتي بمبلغ تأميني ضخم للغاية يقدّر بملايين الجنيهات. ولأنني كنتُ كثيرة السفر بسبب عملي، اختمرت في عقولهم هذه الفكرة الشيطانية للتخلص مني؛ بحيث يتم قتلي داخل الشقة وتبدو الجريمة وكأنها حادث سطو مسلح عشوائي تذهب ضحيته الزوجة المسكينة، فيحصل أحمد على الملايين ويعلن زواجه من مروة! أما لقطات الشاشة والمحادثات التي أرسلتها لي مروة على الواتساب بخصوص سلاسل الياقوت والورد الأحمر؟ لم تكن إلا فخاً وتمثيلية رخيصة متفقًا عليها بينها وبين أحمد ليزرعوا الطمأنينة في قلبي، ولتكون دليل براءة قاطعًا لأحمد أمام جهات التحقيق والقضاء بعد موتي، ليظهر في ثوب الزوج المكلوم المثالي الذي كان يجهز لزوجته مفاجأة عيد زواجهما بينما غادر الشقة ليعطي نفسه عذر غياب قوي وقت وقوع الجريمة بحجة شراء التورتة. أما قصة الأرنب المطيع، فقد فخخ بها عقل طفلته لأنه علم أنني غيرتُ القفل ولا يمكن فتحه من الخارج، ولم يجد أنسب من ابنته لتفتح الباب للمجرمين دون أن تثير أي شبهة، بينما تضمن الأعشاب المركزة أن أكون أنا غارقة في النوم فلا أشعر. دخلتُ غرفة التحقيق، وكان أحمد يجلس هناك مكبل الأيدي بالحديد، منهارًا تمامًا، ونظر إليّ بعينين تتطاير منهما شرارات الغل و الحقد بعد أن سقط قناعه وتحطمت خطته. نظرتُ إليه بمنتهى البرود والاحتقار، ثم أخذتُ ابنتي حبيبة وأنا أحمد الله من كل قلبي؛ لأن ذلك الشك وتلك الأوهام المزعومة التي اتهمني بها الجميع و سخروا مني بسببها، كانت هي السبب الوحيد وطوق النجاة الذي أنقذ حياتي و حياة طفلتي البريئة من موت محقق في تلك الليلة المظلمة.

تم نسخ الرابط