الطبق اللي قلب حياتنا بقلم منال علي
أمك مرضيتش تفضح ابنها قدامك وقدام جوزك وأهله... رضينا نشيل الهم إحنا الاتنين، وأنا أخدمها وأراعيها وأقعد أداري على خيبته وهو كل كام شهر يتصل بيا يهددني لو مبعتلوش فلوس هيعمل ويسوي!
سلوى اتراجعت لورا، وفجأة تليفونها رن. بصت في الشاشة وشها اتغير وقالت بصوت واطي ده ده سامح بيتصل بيا دلوقتي! حماتي اتنفضت وقالت برعب اوعي تردي عليه وتقوليله إنك هنا يا سلوى! لكن سلوى فتحت الخط بسرعة، وسمعنا صوت سامح طالع من السماعة وهو بينهج ومرعوب سلوى الحقيني! أنا وصلت المطار ومعايا مصيبة، والناس بتوع الشيكات عرفوا طريقي ومستنيني تحت البيت عند ماما!
وقبل ما ننطق بكلمة، سمعنا صوت فرملة عربيات حادة تحت البيت، وصوت خبط رزيع على باب العمارة، وكلاكسات وزعيق عالي اطلع يا سامح! انزل بالذوق بدل ما نطلع نكسر الشقة ونجيبك من قفاك! حماتي حطت إيدها على قلبها وشها أبيض زي القماش. جريت مسكت إيديها وأقعدتها على الكرسي أهديها. وفي اللحظة دي، سمعنا خطوات سريعة على السلم، وباب الشقة اتفتح ودخل سامح مبهدل وشه شاحب وعينه زاغة برعب.
أول ما دخل وقفل الترباس سند ضهره على الباب بينهج وقال لسلوي بلهفة سلوى! الحمد لله إنك هنا معاكي كام في البنك؟ تقدري تدبري لي مية ألف جنيه دلوقتي حالا بأي طريقة؟ سلوى بصتله بذهول مية ألف جنيه إيه يا سامح؟! انت مبصتش في وش أمك حتى؟! انت داخل تسأل على الفلوس قبل ما تطمن على أمك اللي بتموت؟! سامح اتعصب وزعق فيها مش وقته يا سلوى! الناس اللي تحت دول بلطجية ومش هيرحموني، لو مخرجتش ليهم بجزء من الفلوس هيكسروا الباب ويدخلوا ياخدوني يسلموني للقسم! وفجأة عينه جت عليا وقال بلؤم وعتاب وانتِ قاعدة كده ليه يا نادية؟! اطلعي هاتي دهبك ودهب بنتك، ولا كلمي أهلك يبعتوا أي حاجة نلم بيها الليلة!
الكلمة دي خلت سلوى تصرخ في وشه دهب إيه اللي تجيبهولك يا سامح؟! دهبها اللي انت لهفته زمان؟ ولا ورثها اللي سددت بيه مصايبك؟ انت إيه يا أخي؟ مفكرني مش عارفة كل حاجة؟! سامح اتصدم وبص لأمه ورجع بص لنادية وقال بتلعثم انتوا انتوا قولتولها؟! وهنا حماتي وقفت على رجليها بالعافية، ورغم رعشة جسمها وقفت صلبة وبصت في عيون سامح وقالت كنا بنستر عليك يا سامح بس اتاريك متستاهلش الستر. مراتك اللي بتتبلى عليها ومقعداني في أوضة ضيقة كانت شيلاني في عينيها، والأطباق الورق عملتها عشان إيدي كانت بتترعش وكنت بتجرح من الزجاج، والشقة فدتها بفلوسها وكتبتها باسمها عشان تحمينا من الجوع والبهدلة!
سامح وشه سقط في الأرض ومقدرش ينطق. وصوت الخبط برة زاد والراجل بينادي يا أستاذ سامح! معاك خمس دقايق تنزل وتتفاهم، يا إما البلاغ هيتحرك والشرطة هتطلع تجيبك!
أنا كنت واقفة ساكتة، وحسيت بشعور بالخلاص كأن جبل انزاح عن صدري. بصيت لسامح وقلت بصوت هادي أثبت من الجبال أنا ياما ضحيت علشانك يا سامح، وياما شيلت همك وسترت عليك سنين. دفعت لك ورثي وربيت بنتك، وشيلت أمك فوق راسي وخدمتها بقلبي علشان ربنا وعلشان هي ملهاش ذنب في خيبتك. لكن لحد هنا وخلاص. قرب مني برجاء هتتخلي عني يا نادية؟ في اللحظة دي؟! رديت بجمود انت اللي اتخليت عننا لما كدبت وسرقت وحاولت توقع بيني وبين أختك وأمك. انت مش مسافر تشتغل انت هربان، وعاوزنا ندفع تمن غلطاتك. انزل للناس اللي تحت يا سامح، اتحمل مسئولية أفعالك، روح القسم، اتصالح، بيع عربيتك، اشتغل وسدد ديونك زي الرجالة، لكن مفيش مليم واحد هيطلع من البيت ده، ولا هأسمحلك تهين كرامتنا أكتر من كده. سلوى بصتله بحسم وقالت نادية عندها حق. انزل يا سامح، ولو فيك ذرة رجولة واجه مصيرك، وكفاية لحد هنا استنزاف لأمي ولمراتك.
لما حس إن كل الأبواب اتفقت في وشه، سامح وطى راسه في الأرض، وفتح الباب ونزل ببطء خطواته مكسورة علشان يواجه عواقب اختياراته لأول مرة في حياته.
بعد ما الباب اتقفل والشارع هدي، عمّ الأوضة سكوت طويل مكنش بيقطعه غير شهقات سلوى. قربت مني ومسكت إيدي والدموع مغرقة وشها سامحيني يا نادية أنا كنت عمية وغبية. صدقت كلام أخويا وجيت أفرغ فيكي غضبي من غير ما أفهم. اتهمتك بالبخل وقلة الأصل، وطلعتي انتِ الست الأصيلة اللي شايلانا وشايلة شرف العيلة. ابتسمت لها بحزن وطبطبت على إيدها مش زعلانة منك يا سلوى كنتِ بتدافعي عن أمك بجهل، بس كان لازم تسألي وتفهمي قبل ما تحكمي. وحماتي نادت عليا بإيدها المرتعشة تعالي يا نادية يا بنتي. روحت عندها وقعدت تحت رجليها، وبكت حقك عليا أنا يا بنتي شيلتك هم مش همك، وداريت على خيبة ابني على حساب راحتك وعمرك. بصيت في وشها المجعد وقلتلها إنتِ أمي يا ماما وسامح ربنا يهديه لنفسه ويصلح حاله. بس انتِ هتفضلي في عيني، وتاكلي في ورق، أو تاكلي في دهب، إنتِ تاج راسي لآخر يوم في عمري.
في اليوم ده، اتعلمت إن التضحية لما تكون للشخص الغلط بتبقى إهانة، وإن الستر على الظالم بيخليه يتمادى. سامح واجه مصيره القانوني وأخذ جزاء طمعه واستقر في سداد ديونه بالعدل بعد ما باع كل ما
يملك. أما أنا، فربنا عوضني بحب واحترام، وبنت كبرت شافت أمها بتصون بيتها وكرامتها، وحماة كانت بتدعيلي في كل سجدة بقلب صافي، وأخت زوج عرفت أخيراً مين الأصيلة ومين اللي كان سبب الخراب.