عشان اثبت برائتك لازم الدخله تبقى بلدي
أنا مش زي أخوي يا حورية، أنا صحيت على كابوس زيك بالظبط، ووقفت قدام الكل عشان أحميكي.. مش عشان أهينك.”
فتحت حورية عيونها بصدمة وقالت بصوت مكسور: “حامينا؟ أمال كلامك برة ده إيه؟ وليلة الدخلة البلدي اللي بتتحاكى بيها قدام الكل وإهانتي وشرفي اللي على كف عفريت؟”
ابتسم مهران بابتسامة خفيفة مليانة دهاء وقال بصوت واطي جنب ودنها: “الرجالة برة مستنية، وأبوكي وأعمامي حاطين راسهم في التراب من كلام أخوي الهارب.. لو دخلت عليهم وقلت لهم ‘هي بريئة وأنا صدقتها’، هي..وني وي.وكي بحجة غسل العار قبل ما الصبح يطلع.. الطريقة الوحيدة عشان أسكت أصواتهم للابد، وأخلي راس أبوكي مرفوعة بجد، وأجيب حقك تلات أضعاف، هي إني ألعب لعبتهم.. بس بشروطي أنا.”
اتنفست حورية بصعوبة وسألته بخوف: “قصدك إيه.. ناوا على إيه يا مهران؟”
وقف مهران وفتح الشنطة بتاعته وطلع منها زجاجة طبية صغيرة ومنديل أبيض نظيف، حطه على الطاولة قدامها وقال بكل ثقة: “الليلة دي مفيهاش أي مساس بيكي.. إنتي زي ما إنتي، طاهرة وبنت أصول.. أنا هطلع للرجالة برة وأقولهم إني رفعت راس العيلة ورجعت الحق لأصحابه.. وهخليهم يكتبوا كتاب تجوزينا على ورقة رسمية وموثقة، وبعدها بشهر واحد، هطلقك زي ما طلبتي، وهكتب باسمك نص أملاكي تعويض عن الكسرة اللي عشتيها بسبب أخوي، وساعتها تقدري تسافري لأي مكان تحبيه وتبدئي حياتك من جديد.”
بصت له حورية وهي مش مصدقة ودنها، وقالت بدموع الفرحة المختلطة بالدهشة: “للدرجادي… قدرت تقف قدام العيلة دي كلها عشان تعوضني؟” رد مهران بملامح صارمة تاني عشان ميظهرش أي ضعف: “عشان أنا كبير العيلة دي، وعيب في حق الكبيرة إنه يظلــ,,ـــــم مظلوم، وخاصة لو كانت بنت عمي اللي في ذمتي.. جهزي نفسك، ثواني وراجعلك ومعايا الدليل اللي هيخرس الكل للأبد.”
خرج مهران من الجناح ووقف في البلكونة الكبيرة اللي بتطل على حوش البيت الكبير، حيث كان عشرات من رجال العيلة وأعمامه واقفين متجمعين وفي عيونهم نظرات ترقب وغضب. بص لهم بصوت قوى هز الحوش كله وقال: “ارفعوا روسكم فوق يا رجالة.. بنت عمكم أصيلة وشريفة، وتاج على راس الكل، واللي هيفكر يجيب سيرتها بكلمة تاني، حسابه معايا أنا شخصياً.” علت أصوات الهتاف والزغاريد من الحريم الواقفات على السلالم، ودخل الحاج (أبو حورية) وهو بيعيط من الفرحة، ورفع إيده للسما حمد وشكر ربنا.
في الجناح جوه، قعدت حورية حاطة إيدها على قلبها اللي بدأ يهدا، وهي بتفكر في الشخصية الغامضة لمهران.. الراجل اللي كان بيمثل القسوة والصرامة، طلع هو الدرع الوحيد اللي حماها.
بعد مرور شهر كامل، وفي الصباح الباكر، كانت الشنط محطوطة على باب الجناح. دخل مهران وبيده ورقة الطلاق الرسمية ومعاها عقود نقل الملكية للأراضي اللي وعدها بيها. وقف قدامها وهي لابسة عبايتها ومستعدة للسفر لأهلها في المدينة. مد إيده بالوراق وقال بصوت هادئ: “كل حاجة خلصت زي ما طلبتي يا حورية.. الورق أهو، وتقدري تمشي مرفوعة الراس زي ما جيتي هنا.”
بصت حورية للوراق وبعدين رفعت عيونها وبصت في عيون مهران الطويلة اللي كانت بتلمع بحزن خفي. مدت إيدها ومسكت الورق، وقبل ما تفتح الباب وتمشي، بصت له وقالت بصوت خافت: “وإنت يا مهران.. ناوي تعيش لوحدك في الجناح ده بعد ما طردت شبح الظلــ,,ـــــم؟”
قرب منها مهران خطوة وقال بنبرة مليانة مشاعر حقيقية لأول مرة: “البيت كله هيظلــ,,ـــــم لو سيبتيني يا حورية.. الورق ده مكتوب، بس أنا مستعد أمزقه دلوقتي لو وافقتي تبقي مراتي بجد.. مش بس عشان أثبت برائتك، بل عشان بحبك من أول يوم دخلتي فيه البيت ده.”
ابتسمت حورية ودمعة نزلت من عينها، ورمت الورق على الترابيزة وقالت بتحدي لطيف: “طب ما تيجيني من الأول يا ابن عمي بدل اللفة الطويلة دي كلها؟” ضحك مهران بصوت عالي لأول مرة من سنين، ولمها لحظتها في حــ,,ـــــضنه، عشان تبدأ قصة حب حقيقية وسط جبال الصعيد الشامخة، وتنسى كل وجع السنين اللي فاتت.