حماتي في السوق
أنا كنت قاعدة قدامه وببص له… مش قادرة أصدق إن الراجل اللي قدامي هو نفسه الراجل اللي سمعت عنه النهارده. بعد شوية، يوسف دخل أوضته… وأحمد حط موبايله على السفرة ودخل الحمام. وأنا كنت عارفة الرقم السري لموبايله. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. دخلت على الواتساب. ولقيت المحادثة بينه وبين أمه. أول رسالة وقعت عيني عليها كانت: يا أمي، كده معانا 980 ألف. ما ترجعيش ولا جنيه لحد ما موضوع دينا يخلص. نزلت لتحت… ولقيت رسالة بعدها مباشرة: مريم فاكرة إن الفلوس كلها لسه موجودة. بكرة هسحب الباقي.
نفسي اتقطع… لكن الرسالة الأخيرة كانت هي اللي خلتني أحس إن قلبي وقف. كانت رسالة من أحمد لأمه: «ما تقلقيش يا أمي… مريم لو عرفت، مش هتلحق تعمل حاجة. أنا هخلي أمها تمضي التوكيل الأول، وبعدها كل حاجة هتخلص.» فضلت باصة للشاشة ثواني، مش قادرة أستوعب. التوكيل! يعني الموضوع مش مجرد إنه بيحاول يقنع أمي تبيع شقتها… ده كان مخطط ياخد منها توكيل، ويتصرف في فلوسها من غير ما تعرف الحقيقة.
قفلت الموبايل بسرعة وحطيته مكانه قبل ما أحمد يخرج من الحمام. دخل وقعد قدامي وقال بابتسامة: — مالك يا مريم؟ وشك متغير ليه؟ بصيت له في عينه وقلت: — صداع شوية. ابتسم وقال: — طب قومي ارتاحي. هزيت راسي، ودخلت أوضتي. بس أنا ما نمتش. طول الليل كنت بفكر في حاجة واحدة… إزاي أنقذ أمي من غير ما أخلي أحمد يعرف إني عرفت؟ الصبح بدري، اتصلت بأمي. — ماما، أحمد لما ييجي ما تمضيش على أي حاجة مهما قال. قالت: — اطمني يا بنتي. لكن أنا كان عندي خطة تانية. اتصلت بالمحامي، وحكيت له كل اللي حصل، فقال لي بوضوح: «خلي والدتك ما تمضيش أي توكيل، وما تسلمش أصل أي مستندات.» الساعة كانت حوالي اتناشر الضهر، وأحمد خرج من البيت بحجة إنه رايح يخلص مشوار. بعد أقل من ساعة، اتصلت بيه أمي وصوتها كان متوتر: — مريم… أحمد جه. قلت لها: — اعملي زي ما اتفقنا.
بعد حوالي عشرين دقايق، أمي بعتتلي رسالة: «طلب مني أمضي توكيل.» قلت لها: «قوليله هتمضي… بس بعد ما المحامي يراجع الورق.» بعدها بدقائق، أحمد اتصل بيا: — مريم، إنتِ كلمتي والدتك؟ قلت بمنتهى الهدوء: — أيوه. — وقالت لك إيه؟ — قالت إنك بتساعدها. سكت لحظة وبعدين قال: — أنا بس عايز أريحها من الشقة الكبيرة. قلت: — فكرة حلوة، بس طبعًا كل حاجة هتبقى باسمها. الصمت اللي حصل بعدها كان غريب، وقال: — طبعًا. وقفلت المكالمة. وفي نفس اللحظة، وصلني من أمي تسجيل صوتي قصير لأحمد وهو بيאكد عليها إن التوكيل إجراء عادي، وردت عليه أمي إنها هراجعه الأول، وبعدها سابها ومشي. لكن المفاجأة كانت لما أمي قالت لي إنه قبل ما يمشي نسي ظرف على الترابيزة. فتحت الظرف… ولقت صور تحويلات بنكية بأسماء مختلفة، الجزء الأكبر منها رايح لحساب والدته سعاد، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب عليها: «دفعة شقة دينا.» وهنا فهمت الحقيقة الكاملة؛ الـ980 ألف جنيه اللي شفتهم في الرسائل ما كانوا لوحدهم، بل كانوا جزء من الحساب المشترك الذي كنت أجمع فيه الأموال أنا وأحمد ليوسف، ليتضح أنه سحب أكثر من نصف المبلغ وحوله لوالدته.
في اللحظة دي، يوسف دخل عليا وسألني لو كنت بعيط، وبعدها قال لي إنه سمع والده امبارح بيتكلم في التليفون وبيقول إن الشقة بتاعتي مش مهمة وأن الفلوس دي مش من حقنا، وختم كلامه بأنه مش عايز شقة وإنه عايزني أنا بس ما اتعبش. الكلمة دي كسرتني وفضلت حضناه وأعيط.
بعدها بساعتين، أحمد رجع البيت ولا كأن في حاجة حصلت وقال إنه حاسس إن فلوسنا كتير ومش لازم تتحط كلها ليوسف. واجهته بالتحويلات اللي راحت لأمه وبموضوع شقة دينا، وهنا وشه اصفر واعترف. ولما قلت له إنه سرق حق ابني وكذب عليا، قال بجفاء: «يوسف مش ابني!» الجملة دي نزلت عليا كأنها صفعة، ولما فكرته بأنه هو اللي رباه وعلمه السواقة، قال إنه غلط، فرده قلت له إنه ما غلطش مرة بل خطط. في اللحظة دي رن جرس الباب، ودخلت أمي ومعاها المحامي، وأحمد فهم إن الموضوع انتهى. أمي قالت له إنها كانت بثق فيه لولا أنا، وإنه خلاص الفلوس والشقة بتاعتها وقرارها بإيدها وأنها مش هبيع الشقة. في نفس اللحظة، رن موبايل أحمد باتصال من سعاد، وفتحه بالغلط ليخرج صوتها الواضح وهي تسأل عن حجز الشقة ودينا، فأغلق المكالمة بسرعة ولكن بعد فوات الأوان.
بعد أيام، استرددت جزء من الفلوس المسحوبة، وبدأنا إجراءات قانونية لحفظ حقوقي وحقوق أمي، وفتحت حساب توفير جديد باسمي. أما يوسف فقرر الاعتماد على نفسه والشغل بجانب دراسته. وبعد شهرين، طلب أحمد مقابلتي ليطلب إعادة كل شيء كما كان، فأخبرته أني سامحته على المال والكذب، ولكني لن أقدر أبدًا على أن أنسي يوم قال إن يوسف ليس ابنه، لأن الكلام وقت الغضب يكشف الحقيقة المخفية.
مرت سنة كاملة، ودخل علي يوسف يحمل مفتاحاً وعقد حجز شقة صغيرة باسمه من تعبه ومساعدتي البسيطة، وقال لي إن والده لم يشترِ له البيت لكني علمته كيف يبنيه بنفسه. أما أمي فبقت في شقتها بالهرم مرتاحة، وأنا تعلمت أن أصعب خيانة ليست فقدان المال، بل حين يسرق منك الشخص الذي وثقت به الأمان.