ابني وبنت الجيران الجميلة
حماتي اتنهدت: "أنتم أحرار بقي."
بصيت للباب: "أنا شايفة إن الزيارة خلصت لحد كده."
تانتي يوم العصر، هدى عملت أصغر عيد ميلاد ممكن تشوفه. كنا سبع أفراد، وتورتة صغيرة من السوبر ماركت، وست بالونات.
ياسين دخل وماسك الفستان بإيديه الاتنين: "ده لليلى."
هدى رمشت بعينها: "عشاني؟"
"افتحيه."
بعد دقايق طلعت ليلى وهي لبساه. وياسين كان صح. أول ما ليلى حست إن الدلائل بتتحرك حواليها، مسكت الجنبين وقعدت تلف وتلف لحد ما كادت تقع، وكريم سندها. وياسين ضحك بصوت عالي لدرجة إنه قعد على الأرض من كتر الضحك، وليلى صرخت بسعادة، والفستان الأحمر كان بيطير حوالين رجليها.
لمحت حماتي واقفة بعيد جنب السور.. جت في الآخر. وكانت بتتفرج وهي ساكتة تمامًا.
بالليل، كريم لقاني باصة على ياسين وهو نايم.
"فخورة بيه؟"
"جداً، وبرضه ميتة من الغضب حكاية الفطار دي."
"وأنا كمان."
وتاني يوم الساعة ستة ونص الصبح، لقينا باب أوضتنا اتفتح فجأة وياسين بيزعق: "يا ماما! يا بابا! تعالوا بره!"
قعدت بسرعة: "في إيه؟"
"تعالوا شوفوا!"
جريت وراه لحد الصالة ومنها للجنينة.. ووقفت مكاني.
جنينة بيتنا كلها كانت مليانة لانش بوكسات.
مش عشرة ولا عشرين.. أكتر من خمسين!
ديناصورات، أبطال خارقين، ألوان زاهية، شنط قماش وشنط معدن قديمة وجديدة.. مالية المكان من أول السلم لحد الرصيف بره.
ياسين لف وشي وقال: "دول بتوعي؟"
"والله ما أعرف أصلاً إيه ده."
كريم طلع ورانا: "إيه اللي جاب دول كله...؟"
وفجأة ياسين لمح صندوق كبير محطوط لوحده في نص الجنينة.
صندوق معدن قديم كبير قد شنطة العدة، وملزوق على الغطاء كارت أبيض مكتوب عليه بخط كبير:
"افتح ده الأول."
"ياسين استنى،" حذّرته.
فات الأوان. ركع على ركبه وفتح القفل.
رفع الغطاء.. وبطل حركة نهائي.
"ياسين؟"
ما ردش. وبعدين رجع لورا بسرعة لدرجة إنه كاد يقع فوق البوكسات التانية. وشُفه بقا أبيض زي الورق.
"يا ماما..."
جريت عليه.. جوه الصندوق كان فيه حزم فلوس كتيرة، وكارنيه شغل لواحدة ست ما نعرفهاش، ومفتاح ببرواز بلاستيك، وصورة فرح.
ياسين بص للفلوس، وبعدين للكارنيه والمفتاح: "يا ماما.. فيه حد ناسي حاجته هنا.. كلمي البوليس حالاً!"
وفجأة صوت ست طلع من عند الرصيف: "أرجوكِ استني!"
لفيت ورايا، لقيت ست في تلاتيناتها بتقرب منا وهي بتضحك وبتلوح بإيديها الاتنين، ولاحظت فوراً إن عندها متلازمة داون.
ياسين شاور بصبع على الصندوق: "الفلوس دي بتاعت مين محطوطة في جنينتي؟!"
الست وقفت، وبصت للصندوق وبعدين لياسين: "عشان شكل عملت أسوأ شغلانة في إني أخليه يبان مش مشبوه."
ومن وراها كان فيه ناس تانية واقفة مستنية ورا السور.. مكنوش سابوا الصندوق ومشوا، كانوا مستنيين ياسين يطلع.
وهدى كانت معاهم.. وليلى كمان، ولسه لابسة الفستان الأحمر.
الست شارت على كارنيه الشغل اللي جوه الصندوق: "دي أنا.. اسمي تسنيم."
ياسين ضيق عينيه: "أنتِ حطيتي الفلوس دي كلها هنا؟"
"بمساعدة الكبار،" قالت تسنيم بجدية. "الأطفال اللي عنده تمان سنين بيطلعوا محاسبين خطرين جداً."
كريم حط إيده على بقه بيحاول يخبي ضحكته.
هدى قربت ومعاها ليلى: "تسنيم حكت لعائلات المركز اللي بندرب فيه اللي ياسين عمله امبارح."
ياسين بص لهدى: "أنتِ قلتيلهم إني بطلت أستفاد بالفطار؟"
"قلتلهم اللي عملته،" قالت برفق. "وحكيت لهم إن جدتك قالت إنك ممنوع تعمل كده تاني."
تسنيم وطت عند الصندوق القديم: "الصندوق ده بتاعي على فكرة، معايا من أول ما اشتغلْت. والفلوس مش بتاعتك يا ياسين."
ياسين تنفس براحة: "آه.. تمام."
"دي عشان البرنامج الصيفي اللي بنحاول نفتحه من شهور، كنا بنجمع فلوس وقربنا نخلص، بس لسه ناقصنا."
ياسين بص لباقي الصندوقات: "وليه كل دول؟"
تسنيم ابتسمت: "عشان أنت ضحيت بفطارك عشان تفرح غيرك.. فالناس قررت تكمل اللي أنت بدأته."
بعدها بشوية كنا جوه مركز المجتمع في الحتة، اللانش بوكسات دي كانت مترستة من ناس تانية. المكان معمول عشان يجمع أهالي وأصدقاء ذوي الهمم للرسم والمزيكا واللعب.
فتحوا الصندوقات واحد ورا التاني.. واحد فيه شوزات رقص، واحد فيه جلافز جنينة، واحد فيه كارت مكتبة قديم وتلات أقلام.
تسنيم مسكت كارنيه الشغل: "أنا شغالة في المخبز ده من سبع سنين."
وبعدين مسكت المفتاح: "وده مفتاح شقتي."
وفي الآخر مسكت صورة الفرح: "وده جوزي."
ياسين بصلها بصدمة: "أنتِ متجوزة؟"
"أيوة،" تنفست تسنيم بعمق وبصوت مسرحي: "وبيشخر بصوت عالي كمان."
ياسين هزه راسه بجدية: "بابا بيعمل كده برضه."
كريم نادى من بعيد: "خيانه!"
تسنيم كملت: "حطيت الحاجات دي عشان وأنا قدك، الناس كانت فاكرة إني عمري ما هشتغل، ولا هيبقى لي بيت، ولا هأتجوز.. بس طلع إن الناس مش دايماً عارفة بكرة فيه إيه."
ليلى قربت من ياسين ومسكت طرف الفستان الأحمر ولفَّت لفة كمان.
ولقيت حماتي واقفة ورا الكل في الهادي.. بتتفرج على ضحك ليلى.
ياسين شافها وقال بصوت عالي: "شايفة يا جدتي؟"
بصت له: "شايفة إيه؟"
"فهمت.. زي ما قلتلك."
ما حبيتش أصلحه، حسيت إنه مش قاصد إنها "فهمت عيد ميلاد"، هو كان قاصد إنها فهمت معنى الفرحة بجد.
حماتي بصت لليلى تاني، وهزت راسها بهدوء بدون ما تنطق كلمة.
هدى وقفت جنبي وهي بتفرك منديل في إيديها: "الفلوس كانت ضيقة بجد.. بس مش دي كل الحكاية."
بصيت لها.
"بفضل أسأل نفسي دايماً إيه اللي هيفيدها؟ أتمرن على إيه؟ تروح أي دكتور؟ ونسيت أسألها أصلاً إيه اللي بيبسطها وهي قاعدة."
في الناحية التانية من الأوضة، كان ياسين بيفتح لانش بوكس جديد تسنيم إديتهوله. جوه كان فيه سندوتش، وفاكهة، وعصير، وبسكوت.
كشر: "ده غدا عادي؟"
"بالظبط،" قالت تسنيم.
كريم وطى جنبه: "يا بطل، المرة الجاية تحب تنقذ العالم، عرفنا الأول قبل ما تقطع الأكل."
"أنا ما كنتش أنقذ العالم يا بابا."
كريم بص حواليه: "شكلهم ما حدش قالهم."
لما رجعنا البيت بالليل، الجنينة كانت هضيت ورجعت لطبيعتها، اللانش بوكسات رجعت لأصحابها، مفيش كاميرات ولا خطابات. بس هواء الليل البارد، وياسين قاعد بياكل سندوتشه من اللانش بوكس الجديد بهدوء.
وليلى كانت قاعدة جنبه ولابسة الفستان الأحمر، ومدت إيديها تاخد لقمة من سندوتشه.
ياسين سحب إيده بسرعة: "يا ليلى.. بتاعي!"
مدت إيديها تاني.
تنفس بصوت عالي كأنه عجوز عاجز، وبعدين كسر حتة صغيرة وادهالها.
بص لي وبقّه مليان: "أنا باكل اهو يا ماما."
ليلى مسحت شوكولاتة على صدر الفستان الأحمر.
إيدي اتحركت لوحدها عشان تلحق البقعة.. وبعدين وقفت.
كانت بتضحك بصوت عالي.
وسيبتها بضحكتها دي.. لأن الفستان ما اتعملش عشان يفضل نظيف، الفستان اتعمل عشان يشوفها وهي بتلف بيه فرحانة، وده أحلى مكسب ياسين كان بيحلم بيه.