ابني وبنت الجيران الجميلة
موقف بسيط من طفل صغير غير كل حاجة، وتاني يوم الصبح لقينا جنينة بيتنا كلها مليانة لانش بوكسات، ولسه هنعرف إيه السر.
ابني ياسين اللي عنده تمان سنين كان بيحوش فلوس فطار المدرسة في السر عشان يشتري لبنت جارتنا فستان عيد ميلاد أحمر. كنت فاكرة إن أكبر مشكلة هتواجهني هي إنه يشرح لي هو عمل كده ليه، لكن تملت جنينة بيتنا بعشرات اللانش بوكسات، وياسين فتح أكبر واحد، ورجع ورا مرعوب وطلب مني أكلم البطليسة.. قصدي البوليس.
أول مرة ياسين شاف الفستان الأحمر، وقف مرة واحدة لدرجة إني كنت هخبط فيه.
"يا ماما."
بصيت مع صباعه على فستان أحمر صغير في فاترينة محل، بكرانيش وببيونكة في الوسط.
"ليلى محتاجة الفستان ده."
بصيت له: "محتاجة؟"
فكر في الكلمة شوية.
"طيب.. عايزاه."
ضحكت: "دي لستة حتى ما شافتهوش."
"هيعجبها يا ماما."
"عرفت منين؟"
بص لي النظرة اللي الأطفال بيسبوها للكبار لما يحسوا إنهم مش فاهمين حاجة واضحة زي الشمس.
"عشان هتبقى شبه الأميرة."
ليلى كانت ساكنة جنبنا مع مامتها هدى. كان عندها سنتين تقريبًا، مولودة بمتلازمة داون، وكانت بتموت في ياسين من أول ما بدأت تعرفه وهو داخل من البوابة. كان بيجيبلها ورد، ويرسم لها كلاب شكلها غريب، ويطلع أصوات تضحكها من قلبها.
هدى كانت مربياها لوحدها من وهي رضيعة، وكانت الدنيا ضيقة معاهم أغلب الشهر. وقبل عيد ميلاد ليلى التاني بكم أسبوع، كنا بنشرب قهوة سوا وهي بتلعب بكوبايات بلاستيك في الجنينة.
"مش هعمل عيد ميلاد كبير السنة دي،" اعترفت هدى. "جاتوه في البيت وخلاص، ممكن بالونات.. أصل كترت علينا الدكاترة وجلسات التطور الفترة دي، وكل حاجة بقت غالية."
ولما ياسين سألني بعد كده ليه ليلى مش هتعمل عيد ميلاد "حقيقي"، قلت له باختصار: "هدى عندها حاجات تانية محتاجة تدفع فلوسها فيها دلوقتي يا حبيبي."
بص على البيت اللي جنبنا، وسأل: "زي إنها تساعد ليلى تتعلم حاجات؟"
"بالظبط."
ياسين هزه راسه.
وعلى مدار الأسابيع التلاتة اللي بعد كده، ابني بقى بخلان بطريقة غريبة.
لما عرضت عليه خمس جنيهات عشان يشتري حاجة ياكلها بعد المدرسة، زقها بعيد: "لا يا ماما، تسلمي."
عمره ما قال "لا" في حياته لما تكون البطاطس المحمرة موجودة.
"عشان أزودلك مصروفك بعدين؟" سألته.
ضحك وأنا بزود الجنيه.
وبعدين راح سأل خاله (أو جوزي زي ما هو مكتوب في السياق، هنقول باباه كريم) لو يقدر يكنس ورق الشجر اللي في الجنينة قصاد فلوس.
"أنت عايش هنا يا ابني،" فكره باباه كريم.
"عارف يا بابا."
كريم بص لي: "عاجبني ثقته في نفسه."
وشوية وبقى يخبط على باب الحاجة زينب يسألها لو محتاجة كنس ورق الشجر، وبعدين جار تاني، وبقى يحط الفلوس في مقلمة قديمة تحت السرير.
كنت فاكرة إنه بيحوش عشان لعبة.
لحد ما في بعد ظهر يوم، لقيت فلوس الفطار. تلات ورقات متهشرين على دولابه جنب إيصل الكانتين من كذا يوم.
في الليل، استنيته لحد ما خلص واجبه.
"ياسين، كلت إيه على الغدا النهارده؟"
فضل باصص في الواجب: "أكل المدرسة."
"نوعه إيه؟"
سكت.
"ياسين."
رفع عينه أخيرًا: "أي حاجة."
"أنت بتبطل تاكل في المدرسة؟"
عينه راحت على الصالة، وبعدين جري دخل أوضته.
جريت وراه.
مد إيده تحت السرير، وطلع المقلمة، وعد الفلوس فوق المرتبة.
تمنين جنيه.
وبعدين فتح دولابه.
كان متعلق على الإيفوكيس في كيس شفاف الفستان الأحمر.
فضلت باصة كذا ثانية من غير ما أنطق.
"أنت اشتريته؟"
ياسين ابتسم: "لحقت آخر واحد."
المحل كان قريب في الشارع اللي جنبنا، وراح اشتراه لوحده.
"يا حبيبي، بطلت تاكل عشان ده؟ مش كل يوم يا ماما.. بس عيد ميلاد ليلى بكره."
قعدت جنبه: "اسمعني يا حبيبي.. أنك تحب تفرح ليلى دي حاجة جميلة، بس إنك تخبي إنك جعان دي لا."
وشه اتغير.
"كنت محتاج الفلوس يا ماما."
"يبقى تطلب مننا."
"كنت هتقولي لأ."
"يبقى تسأل لو تقدر تشتغل وتكسبها."
"أنا كنست ورق الشجر."
"عارفة."
"الست زينب بتدفع قليل أوي."
ضحكت غصب عني، وحضنته عندي: "إياك تبطل تاكل عشان تثبت لأي حد إنك مهتم بيه، فاهم؟"
اتنهد في كتفي: "حاضر."
وفي الليلة دي، حماتي جت زارتنا. كانت في المطبخ لما ياسين نازل وماسك الكيس: "شوفوا جبت إيه لليلى!"
حماتي ابتسمت في الأول، وبعدين لما حكيت لها هو جاب حقه منين، وشها اتقلب.
"بطلت تاكل عشان ده؟!"
ياسين هزه راسه. ضحكت بسقالة وقالت: "بترمي فلوسك في الأرض، دي ليلى أصلًا ما تفهمش يعني إيه عيد ميلاد."
ابتسامة ياسين راحت.
أنا قلت: "نعم؟"
هزت كتفها: "دي ليلى عندها سنتين، ومع كل اللي فيها ده، تلاقيها مش فاهمة أصلاً يعني ايه عيد ميلاد.. اشتري لنفسك أحسن."
ياسين بص لها، وصوته كان هادئ ومش بيترعش خالص: "هي بتفهم لما حد بيبقى طيب معاها يا جدتي."
حماتي فتحت بقها زي السمكة اللي طلعت بره الميّه، ومبقاش عندها أي كلام تقوله.
كريم كان لسه داخل من الجنينة وسمع الكفاية.
"يا أمي."
رفعت إيديها الاتنين: "ايه يا جماعة، أنا بتكلم بعقل."
كريم مشي ناحية ياسين، ووطى جنبه ولمس كيس الفستان: "لون حلو يا بطل، ليلى هتلف بيه وتتبسط."