انا وحماتي
هنا فهمت كل حاجة. جذور المشكلة كانت أعمق بكتير مما أتوقعت. حماتي تنهدت بعمق وقالت:
- أنا ما فضلت حد على حد. بس كنتِ دائمًا بتختاري الطريق الغلط. كنتِ أقدر أعطيكِ النصيحة ألف مرة، بس ما بتسمعيش. وكنتِ تغاري منها لأنها صافية القلب، ما عندها خبث، تؤمن باللي يتقال لها. وده اللي خلاكِ تستغلي ثقتها.
التفتت لي حماتي وأكملت:
- خطتكم كانت واضحة. هي تقنعكِ تكلمني بكلام حاد أو تطلبي مني حاجة بصوت عالٍ، وتقول لكِ ده الحق وده الواجب، وبعدين تيجي لي وتحرفي الكلام، وتقولي لي إنكِ ټهدديني وتتكلمي بطريقة وحشة.. عشان تجمعين بيني وبينها العداء، وتكوني أنتِ الطرف المحايد الطيب اللي بيحاول يصلح. وفي نفس الوقت، تخلين ابنك يشوفكِ أنتِ الملاك وهي الشيطان. صح؟
بكت ضرتي بصوت مسموع وأخفضت راسها وقالت بصوت خاڤت:
- كانت خطتها.. كنت فاكرة إنها هتكرهكِ.. وإن جوزكِ هيلين عليّ ويرى إنكِ مش مناسبة له.. وإن.. وإن كل اللي ليا يصير لي.
شعرت بدموعي تنهمر رغمًا عني. لم أكن حزينة بقدر ما كنت مصډومة.. مدمرة. كل تلك اللحظات التي جلست فيها بجانبي وتمسحت كتفي وتقول لي أنا معاكِ، أنا فاهمة إحساسك، كلها كانت تمثيلًا خالصًا. كل نصيحة كانت سهمًا موجهًا نحوي، وبيدها هي التي كانت تطلقه.
قلت بصوت بالكاد سمعته:
- أنا نفسي كل ده.. عشان إيه؟ عشان تفرقيني عن أهلي؟ عشان تخليني أبدو وحشة؟ كل مرة كنت أطلع غلطانة قدام جوزي.. كل مرة كان يكلمني ويقولي ليه تعاملي أمي بهالطريقة.. وكنت ساكتة ومش فاهمة السبب.. وكل ده بسببكِ أنتِ؟
رفعت راسي ونظرت إليها مباشرة:
- أخبريني.. كم مرة كدبتِ عليّ؟ كم مرة قلتِ لي إنكِ بجانبي وقلوبكِ معايِ ولسانكِ يذمّني من ورايا؟
ما ردت عليّ. اكتفت بالبكاء والدموع تغطي وجهها. فهمت حينها إن الصداقة التي ظننتها حقيقية طوال تلك الأشهر لم تكن إلا سحابة صيف زالت وكشفت عن وحشة حقيقية لم أتخيلها أبدًا.
دخل جوزي في تلك اللحظة، ولم يكن قد سمع شيئًا في البداية، فنظر إلينا متسائلًا:
- فيه إيه؟ ليه الصوت عالي كده؟
قبل أن تتكلم أي واحدة منا، سحبت حماتي هاتفها من على الطاولة وأعادت تشغيل التسجيل مرة أخرى. سمع جوزي الكلام.. سمع جملة "أنا أصلًا كل مرة بسيبها تتخانق معاكي، وبعدها هي اللي بتطلع غلطانة".. تغير لون وجهه تدريجيًا، واتجه نظره مباشرة نحو أخته.
ساد صمت طويل، لم يُكسره إلا صوت أنفاسنا المتسارعة. أخيرًا تكلم جوزي بصوت ثقيل غاضب:
- يعني كل المشاكل اللي حصلت بيني وبين سلمى.. كل مرة كنت ألاقيها غلطانة وأعاتبها.. وكنتِ أنتِ السبب من الأساس؟ كنتِ تدخلين بيننا وتخربي بيتنا بدم بارد؟
رفعت أخته رأسها ونظرت إليه بعيون حمراء من البكاء:
- أنا ما قصدتش.. أنا بس كنت خاېفة عليك.. كنت فاكرة إنها مش مناسبة لك.. وإنها..
قاطعها بحدة:
- وإنكِ تصلحلي غلط بغلط أكبر؟ وإنكِ تكذبي وتدبري المكائد لزوجتي اللي ما عملتلكِ شيء؟ أنا كنت واثق فيكِ.. كنت أظن إنكِ عون ليها بعد الله.. فوجدتكِ ألد أعدائها من حيث لا ندري!
التفت إليّ بعدها وقال بصوت مليء بالندم والحنان:
- وأنتِ يا سلمى.. سامحيني. سامحيني لأنني صدقت كلامها مرات ومرات ولم أسألكِ. لم أعطِكِ الفرصة لتبرير نفسكِ. كنت أصدق ما تسمعه أذنيّ أولًا دون أن أبحث عن الحقيقة. سامحيني لأنني جعلتكِ تعيشين في دوامة من الخداع وحدكِ، ولم أشعر بمعاناتكِ إلا اليوم.
دموعي تدفقت بلا توقف. لم أتوقع أن تنتهي الأمور هكذا.. أن يكشف الستار بهذه السرعة وبهذه الطريقة. قلت بصوت مرتجف:
- الحمد لله الذي أظهر الحقيقة.. المهم أننا عرفنا من يقف بجانبنا ومن ينتظر ليدمرنا من الخلف.
نظرت حماتي لابنتها وقالت بصرامة:
- أما وأنه قد كشف أمركِ.. فلا مكان لكِ هنا تُدمرين فيه بيت أخيكِ. كنتِ أردتِ أن يحدث بينهما الشقاق.. والآن أنتِ من ستكونين بعيدة عنهما. ستبقين في بيت أهلكِ فترة تكفّرين فيها عن خطئكِ وتعرفين قيمة الأخوة وقيمة الأمانة. إن لم تتعلمي الدرس من هذا الموقف.. فلن تنفعكِ نصيحة بعد اليوم.
بكت أخته وتوسلت إليهم أن تبقى، وتعهدت أنها لن تعود لما فعلت أبدًا.. ولكن هذه المرة لم يصدق أحد دموعها. لقد سئم الجميع من الكذب والتمثيل.
بعد أن رحلت.. جلست أنا وجوزي وأمه في هدوء، ورتبنا ما حدث. أدركتُ حينها أن حماتي لم تكن تكرهني كما ظننت في بداية الأمر.. بل كانت تختبر صبري وصدقي ونقائي، وترى هل سأصدق من Hلحول بسهولة أم أن لي عقلًا أحكم به الأمور.
قالت لي حماتي حينها بابتسامة هادئة:
- عرفتِ الآن لماذا كنتُ أشتد عليكِ أحيانًا؟ كنتُ أريد أن أرى هل ستبقين على طبيعتكِ مهما حصل.. أم ستتغيرين وتتبعين نصائح من لا يريد لكِ خيرًا. لقد نجحتِ في الاختبار يا ابنتي.. وثبتِ أنكِ أهلًا للثقة ومحل احترام.
أمسكت بيدها وقلت:
- شكرًا لأنكِ كشفتِ لي الحقيقة في الوقت المناسب. لولا ذلك لظللتُ أعيش في حيرة وشك وضياع.. ولربما ډمرت علاقتي بزوجي دون أن أدري السبب.
ومنذ ذلك اليوم.. تغير كل شيء. أصبحت علاقتي بحماتي أقوى وأوثق، بعد أن زالت الشكوك والشوائب. لم أعد أصدق كل ما يُقال لي ببساطة، بل أصبحت أزن الكلام وأتثبّت وأتروى قبل أن أتخذ أي خطوة. وعرفت أن أقرب الناس إلينا قد يكونون أحذرنا علينا، وأن النصيحة قد تكون سمًا في عسل إذا قيلت بغير نية صالحة.
أما زوجي.. فازداد تعلقه بي واعتذاره مني عمّا بدر منه، وأصبح أكثر حذرًا وحرصًا على ألا يدخل أحد بيننا بأي كلام كان. وعرف أن لا يصدق كلمة تُقال عني إلا بعد أن يسمعها مني أنا مباشرة.
مرت الأيام والشهور.. ولم تعد أخت زوجي تزورنا إلا في فترات متباعدة، وقد تغيرت ملامحها وبدت عليها الندم، وإن لم تصرح به. ولكن الچرح كان عميقًا.. والثقة لا تُعاد بسهولة مهما حصل.
وفي النهاية.. تعلمتُ درسًا لن أنساه ما حييت: ليس كل من يظهر لك الود والصداقة صديقًا حقيقيًا.. وليس كل من يشتد عليك أو يلومك عدوًا. فالقلوب ليست على وجوهنا تُقرأ.. وإنما تُعرف بمواقفها ونواياها. وخير النصائح ما وافق الحق وهداكِ إليه، وأما ما يدفعكِ للعداء والخصام فما هو إلا غر وسم يُسقي لكِ بكأس من الخداع.. فاحذريه!