دخلت المحكمة
المحتويات
يوم المحكمة. دخلت محكمة الأسرة في القاهرة بدري. كنت لابسة فستان أسود بسيط، وشعري متظبط، ومكياجي هادي. وفي إيدي ساعة دهب. ساعة مش ضخمة ولا ملفتة بشكل مبالغ فيه، لكنها كانت غالية. وأهم من سعرها، كان معناها بالنسبة لي. لأنها كانت أول حاجة اشتريتها لنفسي من فلوسي، من غير ما أقول لمازن.
وأول ما دخلت، شافتني حماتي. بصت للساعة. وبعدين بصتلي. رانيا قربت منها وقالت ماما هي جابت ساعة دهب؟ سعاد ردت وهي متضايقة شكلها بتحاول تعمل فيها حاجة. ما رديتش. قعدت في مكاني، وحطيت إيدي فوق الشنطة.
وبعد دقائق دخل مازن. كان لابس بدلة غالية، وشكله واثق جدًا. بصلي. وبعدين عينه وقعت على ساعة الدهب. وقف لحظة. وشه اتغير. قرب مني وقال بصوت واطي إنتِ عملتي إيه يا سلوى؟ بصيتله باستغراب وقلت عملت إيه؟ ما ردش. فضل ساكت ثواني، وبعدها قال إنتِ فاكرة إن الموضوع هيخلص بمجرد ما نوقّع؟
قبل ما أسأله يقصد إيه، نادى علينا الموظف. دخلنا القاعة. قعدت قدام الورق. مسكت القلم. كنت مستعدة أكتب آخر سطر في عشر سنين من عمري. لكن قبل ما أوقّع، دخل شخص غريب القاعة، واتجه ناحية مازن مباشرة. مد له ظرف بني. مازن أول ما شاف الظرف، وشه اتغير تمامًا. وأنا عرفت إن الطلاق اللي كنت فاكرة إنه نهاية حكايتي مع مازن، ممكن يكون مجرد بداية لحكاية أخطر بكتير.
الراجل مد إيده بالظرف البني لمازن ومشي بسرعة من غير ما ينطق ولا كلمة. مازن فتح الظرف بإيدين بتترعش، وأول ما عينه وقعت على الورقة اللي جواه، وشه اتخطف تماماً، لونه بقى زي الجير، والورقة وقعت من بين صوابعه على أرضية القاعة. القاضي بص لمازن بنظرة حازمة وقال في إيه يا أستاذ؟ اتفضل امسك القلم ووقّع، القاعة وراها قضايا تانية.
حماتي سعاد ما قدرتش تصبر، مدت راسها من ورا الحاجز وقالت بصوت ملهوف خير يا مازن يا ابني؟ ورقة إيه دي؟! مازن ما ردش عليها، عينه كانت متسمرة عليا أنا. قرب مني خطوة، وصوته طالع مخنوق ومكتوم كأنه بيتحشر في زوره الساعة دي... الساعة دي كانت في خزنة البنك الأهلي. المفتاح الأصلي في مكتبي، والرقم السري محدش يعرفه في الدنيا دي غيري... دخلتي هناك إزاي؟ وخدتي إيه تاني مع الساعة؟!
ابتسمت ابتسامة هادية، وحطيت القلم على التربيزة قدام القاضي من غير ما أوقع. بصيت لمازن وقلتله بهمس ما يسمعوش غيره نسيت إنك لما فتحت الخزنة دي من سنتين، عملتها باسمي أنا وإنت شراكة؟ نسيت إنك وقتها كنت داخل مناقصة وخايف تتحجز على أملاكك فعملتلي حق التوقيع المنفرد؟ ولا افتكرت إن سلوى بتاعة حلوان هبلة وهتفضل نايمة على ودانها طول العمر؟
حماتي لما شافت الموقف مش مفهوم ورانيا أخته عمالة تبص للورقة اللي على الأرض، دخلت القاعة وقالت بصوت عالي يا سيادة القاضي، البت دي شكلها مدبرة مصيبة لابني! شوف الورقة دي فيها إيه! القاضي خبط بالشاكوش على المنصة وقال بغضب اسكتي يا ست إنتِ! اطلعي برة القاعة حالاً! محامي المدعي والمدعى عليها يتقدموا لهنا!
المحامي بتاعي، أستاذ رفعت، اللي كان واقف ورايا بهدوء من أول الجلسة، طلع خطوة لقدام وقدم مذكرة عاجلة للقاضي وقال سيادة القاضي، بنطلب وقف إجراءات الطلاق الاتفاقي مؤقتاً، وضم محضر إثبات الحالة رقم 2145 جنح أموال عامة... لوجود نزاع جنائي حول تبديد أصول وتهريب أموال زوجية وتزوير توقيعات.
مازن صرخ في وسط القاعة كالمجنون تزوير إيه؟! إنتِ عايزة تحبسيني يا سلوى؟! المحلات دي محلاتي، وتعب سنين عمري! القاضي بص في الورق، وبص للظرف اللي كان على الأرض، وملامحه اتغيرت، وقال بلهجة حاسمة تؤجل الجلسة إدارياً، وتُحال الأوراق للنيابة العامة للفحص. تُرفع الجلسة!
خرجنا كلنا لممر المحكمة. الدنيا كانت مقلوبة. سعاد مسكت مازن من قميصه وهي بتعيط بهستيريا فهمني يا ابني في إيه؟! حبس إيه وأموال عامة إيه؟! دي جاية تطلق وتاخد مؤخرها وتغور، إيه اللي وداكم للنيابة؟! رانيا أخته كانت بتبصلي بغل وقالت حرباية! طول عمرك ساكتة ومكنكنة، طالعة تعملي فيها بريئة وإنتِ حية من تحت تبن!
أنا ما رديتش على أي واحدة فيهم. كنت واقفة، ضهري مفرود، وساعة الدهب في إيدي بتلمع تحت إضاءة الممر الباهتة. الساعة دي مازن ما اشتراهاش علشاني. الساعة دي كانت محطوطة في علبة قطيفة حمرا جوة الخزنة، وجنبها كارت مكتوب فيه إلى شريكة عمري ونجاحي القادم... ناردين. كانت محطوطة جنب عقود بيع ابتدائية لفرعين من أكبر فروع السلسلة، عقود مازن مضى عليها باسمي وبصم مكاني بتوكيل عام كان واخده مني زمان عشان يسهل إجراءات التراخيص!
مازن زق أمه وأخته وبعدهم عنه، وقرب مني وشه أحمر وعروق رقبته ناطرة إنتِ فاكرة نفسك ذكية؟ فاكرة لما تروحي تفتحي الخزنة وتاخدي العقود والساعة وتبلغي عن التوكيل إنك كده كسبتي؟ إنتِ ما تعرفيش الورق ده وراه مين يا سلوى!
بصيتله في عينيه بمنتهى البرود وقلتله وراه ناردين؟ البنت اللي شفتك معاها في مطعم الزمالك؟ اللي رايح تسجل باسمها تعب عشر سنين من شقاي أنا وأنت؟ اللي نسيت عشانها أول يوم فتحنا فيه في فيصل وكنا بنقسم ساندوتش الفول بالنص؟
مازن بلع ريقه، وبص حواليه برعب، وقال بصوت واطي مرعوب ناردين
متابعة القراءة