ضحكو عليا لما اشتريت بيت بجنيه
لقينا تحت اللوح ده باب سري صغير مربوط بقفل قديم ومصدي خالص. قلبي دقاته زادت ومكنتش مصدق عيني، وكأن الزمن وقف في اللحظة دي. دورت على أي حاجة أكسر بيها القفل، وبمساعدة ماسورة حديد لقيتها مرمية جنب الحيطة، خبطت القفل كذا مرة لحد ما اتكسر واتفتح الباب. فتحنا الباب ببطء شديد، وطلع منه هواء قديم ومكتوم ريحته كأنه واخد سنين طويلة من العزلة. نزلنا بخطوات بطيئة والتوتر بيملا قلوبنا، لحد ما لمحت كشاف تليفوني نور على صندوق حديد قديم محطوط على ترابيزة خشبية صغيرة في وسط الأوضة السريّة دي.
فتحت الصندوق بيدي اللي كانت بتترعش، ولقيت جوه كنز من الأسرار اللي أمي قضت عمرها كُله تخفيه عنا. مجموعة دفاتر قديمة بخط إيدها، وصور كتيرة متجمعة لناس أعمارنا ما سمعنا عنهم، ووثائق وورق رسمي بيحكي حكاية كاملة عن عيلتنا، والسبب الحقيقي اللي خلي أمي تهرب وتستقر في عزبة خورشيد وتبعد عن المكان ده تماماً. طلعت الدفاتر وقعدت أقرأ فيها بدموع نازلة على خدّي، وكل سطر كنت بقرأه كان بيحل لغز كبير كنت فاكراه مستحيل يتحل.
طلعت من البدروم السري ده أنا وبنتي وأنا شايله الصندوق في إيدي، وكنت حاسة إن كل الضحك والتريقة اللي حصلت يوم المزاد ما كانتش إلا بداية لرحلة معرفة الحقيقة اللي هترد لكل حاجة مكانها الصحيح. الناس اللي ضحكت عليّا وافتكرتني هبلة لأني اشتريت خرابة بجنيه واحد، لو عرفوا إيه اللي كان مستبيّن تحت الأرض، كانوا عرفوا إني كسبت أثمن هدية ممكن إنسان يلاقيها، وهي حكاية أهلي الحقيقية اللي رجعت تاني النور بعد ظلام تلاتين سنة.
الدفاتر القديمة اللي لقيتها في الصندوق المصدي كانت مليانة تفاصيل تحبس الانفس، وفتحت قدامي باب لدنيا تانية خالص عن عيلتي اللي كنت مفكراها ناس عادية ملهاش حكايات. لما فتحت أول دفتر بخط إيد أمي، لقيتها كاتبة فيه تفاصيل حياتها من تلاتين سنة، واكتشفت إننا مش من العزبة دي أصلاً، وإن أمي كانت واخدة اسم ثاني وهربانة من عيلة تانية خالص في مدينة بعيدة بسبب مشكلة كبيرة أو مؤامرة حصلت على أملاك جدها زمان.
في الورق ده، وضحت أمي إنها بعد ما اتجوزت وفقدت أبويا في ظروف غامضة، حاولت تحميني أنا وأخويا من ناس طماعين كانوا عايزين ينهبوا كل ميراثنا ويخلصوا مننا. عشان كده سابت كل حاجة وراها، وهربت في نص الليل وهي شايلاني وأنا لسه طفلة صغيرة، وجت استقرت في عزبة خورشيد وعاشت حياة بسيطة وقاسية جداً، وكانت دايماً خايفة وحد يوصل لنا أو يعرف إحنا مين. البيت المايل والخرابة اللي الناس ضحكت عليّا عشان اشتريتها بجنيه واحد، طلع في يوم من الأيام هو أول بيت عيلتي الكبيرة اشترته زمان، وكان مسجل باسم جدي، وهو المكان الوحيد اللي أمي كانت حاسة فيه بالأمان، وعلشان كده كانت دايماً رافضة تجيب سيرته عشان ما تفتحش على نفسها أبواب جهنم وتفكر الناس بينا.
وسط الورق الرسمي والوثائق القديمة، لقيت عقود ملكية قديمة وأوراق تثبت إننا الورثة الشرعيين لأراضي وممتلكات كبيرة ضاعت مننا زمان بفعل غدر بعض الأقارب اللي استغلوا غياب أمي وسفرها المفاجئ. الأوراق دي كانت عبارة عن مفتاح سحري يرجع لنا كل حقوقنا اللي ضاعت طول السنين دي. حسيت ساعتها برعشة في إيدي ودموعي نزلت بغزارة، وأنا باصة لبنتي اللي كانت واقفة جنب بتسألني عن كل الورق ده، حسيت إن تعب أمي وخوفها طوال التلاتين سنة مروحش هدر، وإن ربنا أراد يعوضنا ويظهر الحقيقة في الوقت المناسب تماماً.
تاني يوم على طول، خدت الصندوق بكل ما فيه ورحت للمحامي، وابتدينا نتحرك في النور ونطلع الأوراق والمستندات الرسمية اللي بتثبت صحة كل حرف كتبته أمي في دفاترها. لما ناس العزبة والناس اللي ضحكت عليّا يوم المزاد عرفوا إن الخرابة دي طلعت كنز وأوراق ملكية لملايين وأراضي، الكل اتصدم وبطل ضحك، وفهموا ساعتها ليه أنا كنت مصرة أدفع حتى الجنيه ده فيها. الحقيقة عمرها ما بتضيع مهما طال عليها الزمن، وأنا قدرت أخيراً أنصف أمي وهي في رحاب رحمتها، وأرجع حقنا اللي ضاع، وأعرف بنتي هي بنت مين وإيه حكاية عيلتنا الحقيقية اللي كانت مخبية أسرار تلاتين سنة وراء جدران بيت قديم ومصدي.