ضحكو عليا لما اشتريت بيت بجنيه

لمحة نيوز

ضحكوا لما اشتريت أرذع وأخرب بيت في عزبة خورشيد بجنيه واحد.. وبعدين صندوق مصدي تحت الأرض كشف سر أهلي اللي خابوه تلاتين سنة.

الضحك بدأ قبل ما الراجل اللي بيبيع يقول "مبيع". كانت صباحية نوفمبر ممطرة، والجو برد لدرجة إن كل اللي دخلوا مبنى المحافظة ريحتهم كانت مطر وبالطوهات صوف وقهوة بوفيه رخيصة. المزاد كان شغال في قاعة اجتماعات في البدروم تحت لمبات نيون مخليّة وشوش الكل تعبانة. كراسي بلاستيك، ترابيزة سفري، وخدمة بيع ماشية ببطء. كنت قاعدة في الصف التالت لابسة كحلي بزارير ناقصة وماسكة ورقة الإعلانات الصفرا بإيدي الاتنين. قطعة رقم 47، وصورة كانت متدبسة فيها لبيت مايل شوية للشرق، وشباكين مكسورين، ودهان رمادي مقشر، وصدى حوالين صندوق البريد، وحشيش طالع لحد الكتف في الممر، ودرجة سلم باينة مكسورة. النوع ده من البيوت الناس بتشاور عليه وهي معدية بالعربية لأن الخراب بيبقى تسلية لما بيكون بتاع حد تاني.

كل الناس في عزبة خورشيد كانوا عارفين البيت ده. العيال كانوا بيتحدوا بعض يلمسوا صندوق البريد بالليل، والمراهقين كانوا بيسموه بيت العفريت مع إن مافيش عفريت سكن فيه أصلاً، والكبار كان بيسموه خرابة مقرفة، والمحافظة كانت مسمياه قطعة رقم سبعة وأربعين. أما أنا فكنت مسَمّيه المكان اللي أمي قضت تلاتين سنة رافضة تشرحه أو تجيب سيرته بكلمة واحدة. المزاد عدل نظارته وكحّ حلقه وقال إن ده مبنى سكني على مساحة نص فدان تقريباً، بيع ضرائب متأخرة، والبيت مباع بحالته والمحافظة مش مسؤولة عن صلاحيته للسكن.

مفيش حد رفع إيديه خالص. الناس استنت شوية، لحد ما واحد ورايا همس وقال إن البيت ده عاوز لودر يهدّه، وواحد تاني ضحك. المزاد سأل عن بداية السعر، فالكل سكت. وهنا رفعت إيدي وبكل بساطة قلت: "جنيه واحد." لنص ثانية، مفيش بني آدم اتحرك في القاعة لأنهم افتكروا إنهم سمعوا غلط. المزاد بص من فوق نظارته وقال مستغرب: "يا فندم؟" رديت عليه بصوت ثابت: "جنيه واحد." ست قاعدة على كرسيين ورايا ضحكت الأول بصوت عالي، وبعدين واحد قريب من الحيطة ضحك، وبعدين نص القاعة اللي ورا كله ضحك. الضحك ماكنش باستهزاء شرير، وده كان الأسوأ بالنسبة لي؛ كان ضحك عادي وبسيط كأن غبائي وحركتي حسّنوا لهم صباحهم البارد. المزاد كحّ حلقه تاني وسأل لو فيه أي سعر تاني فوق الجنيه، فمفيش حد نطق. قال اتنين؟ وسكتوا. والراجل اللي ورايا علق بصوت عالي وقال: "ده لو بفلوسه ماخدوش، يا رب يكون معاها منشار."

فضلت قاعدة مكاني مطنشة كل الكلام ده، وفضلت ماسكة الوصل بتاعي بهدوء تام وأنا حاسة إن الخطوة دي هي بداية لفك طلاسم عمرها سنين طويلة. البيت ده مش مجرد حيطان مكسورة ولا خرابة مهجورة بالنسبة لي، ده الصندوق الأسود لذكريات أمي اللي دفنت معاها أسرار كتيرة أوى وهي عايشة، ودلوقتي جه الوقت اللي كل حاجة هتتكشف فيه والنور هيطلع مهما كانت الستارة مقفولة ومهما ضحكوا واستهزأوا بقراري، لأن اللي بيعرف لوحده غير اللي بيسمع من كلام الناس، وبكره الكل هيعرف أنا عملت كده ليه.

خذت الوصل في إيدي ومشيت من وسط ضحك الناس وتريقة الكل، وكأنهم كانوا شايفين إني مجنونة لأني دفعت جنيه واحد في خرابة ملهاش أي تمن. روحت البيت وقعدت أرتب أفكاري لحد ما جه يوم وخدت بنتي ورحنا عشان ندخل البيت ده أول مرة من ساعة ما اشتريته. كان الشكل من بره يقبض، الشباك مكسور، والباب قديم ومصدي، والدنيا مقفولة بقالها سنين طويلة. دخلنا بحذر شديد، والأرض كانت مليانة تراب وورق قديم وقطع خشب متكسرة. قعدت أبص حواليا وأتخيل أمي وهي صغيرة، إيه اللي جابها هنا؟ وإيه السر اللي خايفة تفتحه طول عمرها؟

بنتي كانت بتلعب قدامي وفجأة سمعت صوت خبط خفيف تحت رجلها وهي ماشية في الأوضة اللي جوه. نادت عليا وقالت لي: "يا ماما تعالي، تعالي شوفي هنا فيه حاجة غريبة، الأرض دي صوتها مجوف ومش زي باقي البيت!" قربت منها وبدأت أشيل التراب والزلط الصغير اللي كان متجمع فوق لوح خشب قديم مرمي على الأرض. بجهد كبير وبمساعدة بنتي، قدرنا نزحزح اللوح ده، وهنا ظهرت المفاجأة اللي قلبت حياتي كلها.

تم نسخ الرابط