حماتي حاسبتني على كل لقمة أكلتها
بعدها ليلى دخلت علينا بإبريق عصير، وقالت: ده عصير الليمون بالخوخ والنعناع بتاعي. جواه مكون سري. صبتلي كوباية. دوقت، وبصراحة كان حلو جدًا لدرجة إني نسيت توتري شوية. بعدها ليلى قالت: حسن، خد شنط رانيا وطلعها فوق. وبعدين مسكت دراعي: وأنا هطلع رانيا أوضتها. بصيت لأحمد: إحنا مش هننام في نفس الأوضة؟ ليلى ردت بسرعة: يا حبيبتي، دي عادات بيتنا. كل واحد ينام في أوضة لحد ما الأمور تاخد شكلها الرسمي. بصيت لأحمد، فضحك وقال: ماما بتحب التقاليد.
طلعت معاها. الأوضة كانت جميلة جدًا؛ سرير أبيض، فاكهة على الترابيزة، وبلكونة واسعة. قلت: الأوضة تحفة يا ماما. ابتسمت: أنا بحب أكرم ضيوفي. وبعدين فتحت درج الكومود، طلعت ملف، وقالت: بس بحب النظام أكتر. بصيت لها: إيه ده؟ قالت: قواعد البيت. فتحت الملف، كان فيه حاجات زي: ممنوع رمي الزبالة في أي مكان، ممنوع المناشف تنزل البحر، الهدوء بعد الساعة عشرة، حاجات عادية جدًا. بصيت لها: يعني ده إجراء شكلي؟ ابتسمت: بالضبط. إمضي وخلاص. أحمد ظهر عند الباب وقال: إمضي يا رانيا. متخليش ماما تفضل صاحية طول الليل تعمل فيكي محاضرة. ضحكت ومضيت، ومكنتش أعرف إني مش بمضي على قواعد بيت، أنا كنت بمضي على الفاتورة اللي هتتحط قدامي بعد يومين.
اليوم الأول كان مثالي خرجنا على البحر. أحمد نزل الميه، وأنا وليلى قاعدين على الشازلونج. كانت غريبة جدًا، كل خمس دقايق تسألني: حرانة؟ عايزة تشربي؟ جعانة؟ وفي الآخر قالتلي: خدي بالك من الشمس، وحطتلي القبعة على راسي. أحمد ضحك وقال: لو ماما بتصححلك حاجة، اعرفي إنها بتحبك. ضحكت، لكن جوايا كان فيه إحساس غريب. ليلى كانت لطيفة بس لطافتها محسوبة.
الصدمة تاني يوم بالليل، أحمد وعمي حسن نزلوا يصطادوا شوية، وأنا طلعت الأوضة أجهز شنطتي. الزيارة كانت خلصت، وكنت مبسوطة إني هروح بيتي. فجأة سمعت خبط على الباب. مين؟ صوت ليلى: أنا يا رانيا. ممكن أدخل؟ طبعًا. دخلت وفي إيدها ظرف. ابتسمت وقالت: حبيبتي، أنا كنت عايزة أشكرك على الزيارة. اتبسطتي؟ قلت: طبعًا. المكان جميل جدًا والأكل كان تحفة. ابتسمت: الحمد لله. ومدتلي الظرف: وده حسابك. بصيت لها باستغراب: حسابي؟ قالت بكل برود: أيوه. ضحكت، فاكرة إنها بتهزر: حساب إيه يا ماما؟ قالت: إقامتك طبعًا. سكت: إقامتي؟ أيوه. إنتِ لسه مش من العيلة رسميًا، وكل حاجة ليها تمن.
افتكرت إنها بتهزر، لكنها كانت بتتكلم بمنتهى الجدية. فتحت الظرف ولقيت ورقة. بدأت أقرأ:
- إقامة في أوضة الضيوف ٥٥٠ دولار. اتصدمت، وكملت.
- رحلة بحرية ١٤ دولار.
- فطار يومين ١٠٠ دولار.
- حفلة الشواء ١٠٠ دولار.
- العصير مجانًا.
رفعت عيني لها: إنتِ بتهزري؟ قالت: لأ. يعني حضرتك بتحاسبيني على الأكل اللي أكلته؟ طبعًا. والأوضة؟ طبعًا. والبحر؟ الرحلة كان ليها تكلفة. فضلت باصة لها مش مصدقة. قالت بمنتهى الهدوء: البند التاسع في الورقة اللي مضيتي عليها. اتخضيت، فتحت درج الكومود، طلعت الورقة وبدأت أقلب فيها، وفعلًا البند التاسع كان مكتوب فيه: يتم دفع قيمة جميع الخدمات المقدمة طبقًا للفواتير النهائية.
بصيت لها. قالت: مفيش داعي ندخل أحمد في الموضوع. هو حساس وممكن يزعل. قلت: بس هو ابنك! إزاي تحاسبي مراته على زيارة بيتك؟ ابتسمت وقالت: يا حبيبتي ولا واحدة دخلت حياتي قدرت تاخد ابني مني. أحمد يستاهل واحدة أحسن.
في اللحظة دي فهمت؛ كل العصير، كل الضحك، كل الكلام الحلو، وكل الاهتمام كان تمثيل. هي مكانتش شايفاني ضيفة، هي كانت شايفاني واحدة داخلة تاخد مكانها عند ابنها. بصيت لها وقلت: إنتِ مش هتقدري تفرقي بيني وبين أحمد. ابتسمت: هنشوف. وخرجت.
قفلت الباب وراها وأنا واقفة لوحدي، لكن بدل ما أعيط، ابتسمت، لأن فكرة بدأت تتفصّل في دماغي.. ولو ليلى بتحب الفواتير أوي، أنا كمان عندي فاتورة هتوصلهالها.
الانتقام دفعت الفاتورة كلها. آه، دفعتها كلها. ٥٥٠ دولار للأوضة، و١٠٠ للفطار، والرحلة، والشواء، وكل حاجة. وأحمد عمره ما عرف، لأني كنت حاطة خطة. أنا وأحمد كنا هنحتفل بفرحنا في حفلة صغيرة، ومكان الحفلة؟ الكافيه بتاعي. أيوه، المكان اللي أنا بملكه. وكنت عارفة إن ليلى جاية، وعارفة إنها هتدخل وهي فاكرة إنها صاحبة الكلمة. لكن المرة دي، أنا اللي هكون صاحبة المكان.
يوم الفرح القاعة كانت متزينة بالورد الأبيض، الأغاني شغالة، أهلي وأهل أحمد قاعدين، أصحابنا بيضحكوا، والحلويات متحطوطة على الترابيزة. ليلى دخلت وهي بتبص حواليها وقالت: ياااه المكان جميل أوي. ابتسمت لها: نورتينا يا ماما. قالت: اختيار موفق. مكنتش تعرف إن المكان كله ملكي.
بعد الأكل والضحك والتهاني، وقفت ومسكت الميكروفون وقلت: قبل ما نقطع التورتة، عندي مفاجأة صغيرة لكل الضيوف. جبت صينية عليها أظرف صغيرة، كل ظرف عليه اسم ضيف. قلت: كل واحد ياخد ظرفه، يفتحه ويقرأ اللي جواه بصوت عالي. الناس ضحكت وبدأوا يفتحوا؛ واحد لقى عزومة غدا للعروسين، وواحدة لقت يوم كامل معاكم في البيت، والناس بدأت تضحك وتتصور.
لحد ما ليلى فتحت ظرفها. ابتسامتها اختفت. بصت للورقة، وبعدين قرأتها مرة تانية. كان مكتوب: "أنا ليلى، والدة العريس، أتعهد بدفع تكاليف حفلة الفرح كاملة أو إلغاء الفاتورة التي سبق وحررتها لرانيا مقابل إقامتها في بيتي."
سكت المكان كله. كل العيون راحت عليها. عمي حسن بص لها وقال: ليلي إنتِ عملتي إيه؟ أحمد قرب منها: ماما فاتورة إيه؟ وشها احمر، بصت لي وأنا كنت واقفة بهدوء. أحمد قال: إنتِ حاسبتي رانيا على إقامتها عندك؟!
ليلى بدأت تتلخبط: أنا كنت.. طلعت الفاتورة من الظرف وقلت: دي الفاتورة اللي دفعتها لمامتك يا أحمد. أحمد بص لها وبعدين بص للورقة: ٥٥٠ دولار للأوضة؟! ليلى مكنتش عارفة ترد: أنا كنت خايفة. أحمد سألها: خايفة من إيه؟ سكتت، وبعدين قالت بصوت مكسور: خايفة أخسرك. أحمد سكت. قالت: إنت ابني الوحيد، طول عمرك قريب مني، ولما رانيا دخلت حياتك حسيت إنها هتاخدك مني.
بصيت لها وقلت: يا ماما، أنا مش جاية أخد ابنك منك. أنا بحبه وعايزة أبقى جزء من عيلتكم. أحمد مسك إيدي وقال لأمه: رانيا أحسن حاجة حصلتلي. وبعدين ابتسم وقال: وبالمناسبة يا ماما المكان ده بتاعها هي. ليلى بصت حواليها: إيه؟ قلت: كل الترابيزات دي بتاعتي، والمطبخ بتاعي، والحلويات دي من شغلي، والكافيه كله ملكي.
وشها اتغير. عمي حسن انفجر في الضحك وقال: يعني الست حاسباها على أوضة في بيتها وهي أصلاً صاحبة المكان اللي عاملين فيه الفرح! الناس ضحكت، حتى أحمد ضحك. ليلى فضلت ساكتة، وبعدين قالت: خلاص أنا بسحب الفاتورة. ابتسمت: متأخر يا ماما. بصتلي، ضحكت وقربت مني، مفيهوش تمثيل: يمكن فعلًا كنت محتاجة أتعلم إزاي أشارك ابني مع واحدة تانية. قلت: وأنا كمان ممكن أتعلم إزاي أحب حماتي من غير ما أخاف منها.
عمي حسن رفع كباية العصير وقال: يبقى نعتبر الموضوع اتقفل! ضحكنا كلنا. وأحمد قرب مني وقال في ودني: بعد اللي عملتيه ده أنا عمري ما هزعل منك. ضحكت وقلت له: بس افتكر حاجة واحدة. إيه؟ ممنوع تزعلني علشان أنا بعرف أطلع فواتير. ضحك وقال: خلاص، أنا هخاف منك من النهارده.
وفي الآخر، أنا مكنتش عايزة فلوس حماتي، ولا كنت عايزة أحرجها قدام الناس. أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس: احترامها. واتعلمت إن أحلى انتقام مش إنك تاخد حقك من اللي ظلمك، لكن إنك تثبتله إنك مش الشخص الضعيف اللي كان فاكره.