شغل جوزي الجديد
بعد أربع شهور كاملة من غير شغل، جوزي أخيرًا لقى وظيفة جديدة.
لكن بعد ساعات بس من أول يوم ليه في الشغل، رجع البيت فجأة وهو مرعوب، وقال لي حضّري شنطة ليكي وللولاد... إحنا لازم نمشي من هنا. حالًا.
أنا اسمي مريم، وجوزي اسمه أحمد. إحنا متجوزين بقالنا 11 سنة، والصيف اللي فات ده كان من أصعب الفترات اللي عدت علينا من يوم ما اتجوزنا.
في شهر أبريل، الشركة اللي أحمد كان شغال فيها قفلت فجأة ومن غير أي إنذار.
في الأول، حاولنا نطمن ولادنا ونفهمهم إن كل حاجة كويسة، وإن بابا أكيد هيلاقي شغل تاني بسرعة.
لكن شهر عدى... وبعدين شهر تاني... وبعدين دخلنا في الشهر التالت، ولسه مفيش حاجة.
ولما وصلنا لشهر أغسطس، كانت تقريبًا كل تحويشة العمر اللي عندنا خلصت.
لغينا المصيف اللي كنا مخططين له من أول السنة. بطلنا ناكل بره البيت تمامًا. أي حاجة مش ضرورية شيلناها من حساباتنا.
وأنا بدأت آخد ورديات شغل إضافية كل ما كانت تيجي قدامي فرصة، عشان نحاول نسد المصاريف ونعدّي الفترة دي بأي شكل.
أما أحمد، فكان بيقدم في كل مكان تقريبًا.
كان فيه أسابيع بيبعت فيها أكتر من 20 طلب توظيف، من غير ما حتى شركة واحدة تكلمه عشان مقابلة.
وكنت شايفة بعيني كل رفض بيعمل فيه إيه.
في الأول كان بيقول عادي... أكيد اللي جاي أحسن.
وبعد فترة، بقى يسكت. يفتح اللابتوب بالساعات، يقدم على الوظايف، وبعدها يقفله ويقعد لوحده.
كنت عارفة قد ايه الموضوع مأثر عليه، حتى لو هو عمره ما اعترف بده قدامي.
وعشان كده، لما دخل عليا المطبخ في صباح أحد الأيام ووشه كله فرحة وقال لي اتقبلت.
فضلت ثانيتين مش مستوعبة.
قلت له اتقبلت في إيه؟
ضحك وقال الشغل يا مريم... اتقبلت في الوظيفة!
صرخت من الفرحة. حرفيًا صرخت لدرجة إن الولاد جروا علينا يشوفوا فيه إيه.
والأحلى إن المرتب كان أكبر حتى من مرتبه في شغله القديم.
بعد شهور من القلق والحسابات والديون والخوف من بكرة، حسيت أخيرًا إن الأزمة خلصت.
في الليلة دي، فتحنا زجاجة مشروب فوار رخيص كنا محتفظين بيها من فترة، وقلنا للولاد يطلبوا البيتزا اللي هما عايزينها من غير ما نبص للسعر.
لأول مرة من شهور... حسيت إننا قادرين نتنفس من تاني.
كان المفروض أحمد يبدأ شغله يوم الاتنين اللي بعده.
وصباح يوم الاتنين، كان متحمس بطريقة ما شفتهاش فيه من وقت طويل.
لبس هدوم الشغل الجديدة، وقف قدام المراية يظبط نفسه، وأنا طلعت موبايلي وصورته قبل ما ينزل.
بص لي وضحك وقال إيه يا مريم؟ هو أنا رايح أول يوم مدرسة؟
ضحكت وقلت له سيبني أصورك... بقالي أربع شهور مستنية اليوم ده.
وقبل ما يخرج قلت له النهارده بقى هنحتفل صح لما ترجع.
ابتسم، باسني وباس الولاد، ونزل.
وأنا قضيت بقية اليوم وأنا مبسوطة بشكل مش طبيعي.
قررت أعمل له أكتر أكلة بيحبها.
وحتى اشتريت شرايح اللحمة الغالية اللي كنا بنعدّي من قدامها في السوبر ماركت طول الصيف ونقول لما الظروف تتحسن.
وقلت لنفسي الظروف اتحسنت خلاص.
أحمد كان المفروض يرجع البيت حوالي الساعة 6 مساءً.
لكن الساعة 347 بالظبط... سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
بصيت للساعة باستغراب.
افتكرت في الأول إنه يمكن نسي حاجة، أو إن أول يوم خلص بدري.
لكن بعد ثواني، دخل أحمد المطبخ بسرعة.
كان لسه لابس هدوم الشغل اللي خرج بيها الصبح.
لكن أحمد اللي رجع... ماكنش هو نفس أحمد اللي خرج من البيت.
الابتسامة اللي كانت على وشه الصبح اختفت تمامًا.
وشه كان شاحب. وعينيه فيها خوف غريب.
سيبت اللي في إيدي فورًا وقلت أحمد؟ إيه اللي حصل؟
ما ردش عليا.
لف ورجع ناحية باب الشقة.
قفله بالمفتاح.
وبعدين حط السلسلة.
وبعدها بدأ يقفل الستائر واحدة ورا التانية.
وقتها بدأت أقلق بجد.
قلت أحمد... إنت بتخوفني. فيه إيه؟
ما ردش.
فضل واقف ثواني كأنه بيسمع حاجة برا البيت.
وبعدين بص ناحية السلم وسألني الولاد فين؟
قلت باستغراب فوق في أوضتهم... ليه؟
قال بسرعة هاتيهم.
فضلت باصة له.
أحمد، فيه إيه؟
رفع صوته لأول مرة مريم، هاتي الولاد... دلوقتي.
قلبي بدأ يدق بعنف.
قربت منه وقلت حصل حاجة في الشغل؟
فجأة مسك إيديا.
وفي اللحظة دي حسيت بحاجة خوفتني أكتر من كل تصرفاته اللي فاتت.
إيد أحمد كانت بتترعش.
أنا متجوزة الراجل ده بقالي 11 سنة.
شوفته وهو متعصب. شوفته وهو زعلان. شوفته وهو مضغوط. وشوفته خلال الأربع شهور اللي فاتوا وهو مش عارف هيدفع مصاريف البيت إزاي.
لكن عمري... عمري ما شفته خايف بالشكل ده.
قال بصوت واطي اسمعيني كويس... اطلعي حضّري شنطة ليكي وللولاد.
حدقت فيه وأنا مش فاهمة شنطة؟ ليه؟
حطي فيها الحاجات الضرورية بس.
أحمد، إحنا رايحين فين؟
ما جاوبنيش.
بدل كده، عينيه راحت بسرعة ناحية شباك الصالة.
فضل باصص له كذا ثانية... كأنه مستني يشوف حد واقف في الشارع.
وبعدين رجع بص لي.
قلت له إنت عملت حاجة؟
هز راسه بسرعة لأ.
طب الشركة حصل فيها إيه؟
سكت.
حد هددك؟
برضه ما ردش.
سحبت إيدي من إيده وقلت بعصبية وخوف أحمد، أنا مش هاخد ولادي وأهرب من بيتي من غير ما أفهم فيه إيه!
قرب مني أكتر.
وكان صوته المرة دي شبه الهمس.
مريم... أرجوكي.
بصيت في عينيه.
وكان واضح إنه مش بيبالغ. مش بيهزر. ومش بيتصرف تحت ضغط أول يوم شغل.
أحمد كان مرعوب فعلًا.
وبعدين قال الجملة اللي خلت جسمي كله يبرد حضّري شنطة ليكي وللولاد... وخدي الضروريات بس.
رجع بص ناحية الشباك مرة تانية.
ثم قال مريم، أرجوكي... لازم