في أول يوم لها كمديرة مدرسة، أشار إليها طفل أمام الفصل وقال: «صورتك في بيتنا...

لمحة نيوز

وضعت مريم يدها على فمها. تذكرت الرجل الآن، تذكرت صوته، وتذكرت أنه ظل ينظر إليها بطريقة لم تفهمها وقتها. قالت: — كان أبي؟ أومأت هناء. بدأت دموع مريم تنزل: — وقفت أمامه؟ — نعم. — وتحدثت معه؟ — نعم. — ولم يخبرني؟ قالت هناء: «أراد». — لماذا لم يفعل؟ صمتت. — لماذا؟ قالت هناء: «لأن والدتك طلبت منه ألا يفعل».

وقفت مريم وكانت غاضبة: — أين أمي الآن؟ قالت هناء: «قبل أن تذهبي إليها، هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه». — ماذا بقي؟ قالت: «آدم لم يجد الصورة بالصدفة». نظرت إليها: «ماذا تقصدين؟» — أنا أعطيتها له. — لماذا؟ — لأنني عرفت أنك المديرة الجديدة. — وكيف تعرفينني؟

ابتسمت هناء بحزن: — لأن والدك كان أخي.

ساد الصمت. لم تستوعب مريم الجملة فورًا: «ماذا؟» قالت: «أنا عمتك». جلست مريم مرة أخرى. والدة الطفل الذي قابلته صباحًا ليست امرأة غريبة، إنها شقيقة والدها، وعلى هذا الأساس آدم ابن عمتها. قالت مريم: — لماذا لم تأتِ إليّ بنفسك؟ — حاولت قبل سنوات. — متى؟ — بعد وفاة والدك. توقفت مريم: «إذن هو توفي فعلًا؟» — نعم، لكن ليس قبل ولادتك. — متى؟ قالت هناء: «قبل ست سنوات».

شعرت مريم بصدمة جديدة. قبل ست سنوات فقط! كانت مريم وقتها امرأة بالغة، تعمل، تقود سيارتها، تعيش حياتها. وفي مكان ما كان والدها يرحل وهي لا تعرف حتى أنه كان حيًا. قالت: — هل سأل عني؟ بدأت هناء تبكي: «حتى آخر أيامه».

أخرجت هاتفها وفتحت صورة؛ كانت لرجل أكبر سنًا، شعره أبيض جزئيًا، لكنه الرجل نفسه. قالت: «هذه قبل وفاته بعام». ثم صورة أخرى كان يحمل فيها صحيفة، وصورة أخرى أمام منزل، وفي معظم الصور كان يبتسم. قالت هناء: «لم يؤسس عائلة أخرى». — لماذا؟ — لا أعرف إن كان ذلك بسببك، لكنه لم يتزوج مرة أخرى. سألت مريم: «هل كان يكره أمي؟» — لا. — وهي؟ صمتت هناء ثم قالت: «عليك أن تسمعي منها».

خرجت مريم من المدرسة واتجهت إلى منزل والدتها دون أن تتصل بها. فتحت الأم الباب، وما إن رأت وجه ابنتها حتى عرفت أن شيئًا حدث: — ماذا هناك؟ رفعت مريم هاتفها وعرضت الصورة. تغير وجه الأم؛ لم تسأل من أين حصلت عليها. قالت مريم: — إذن كنتِ تعرفين. جلست الأم وقالت: «من أعطاك هذه؟» — هناء. أغلقت الأم عينيها: «كنت أعرف أنها ستظهر يومًا». قالت مريم: «لا تغيري الموضوع. هل أبي كان حيًا؟» صمتت الأم. صرخت مريم: «هل كان حيًا؟» قالت الأم: «نعم».

لم تبكِ مريم؛ كانت غاضبة أكثر من قدرتها على البكاء: — لماذا قلتِ لي إنه مات؟ قالت أمها: «كنتِ صغيرة». — ثم كبرت. — أععرف. — أصبحت في العاشرة، ثم الخامسة عشرة، ثم العشرين، ثم الثلاثين. في أي عمر كنتِ ستخبرينني؟ لم تجب. قالت مريم: «مات قبل ست سنوات وأنا لم أعرف». أومأت الأم والدموع في عينيها: «نعم». — وهل عرفتِ عندما مات؟ — نعم.

كانت الإجابة مؤلمة أكثر من كل ما سبق. قالت مريم: — وذهبتِ إلى جنازته؟ — لا. — لكنكِ عرفتِ؟ — نعم. — ولم تخبريني؟ — خفت. ضحكت مريم بمرارة: «من ماذا؟ أن أعرف أن أبي لم يمت مرتين؟»

بعد وقت طويل، بدأت الأم تحكي؛ كان زواجهما في البداية جيدًا، ثم دخلت العائلتان في خلافات كبيرة وأصبح كل طرف يحمّل الآخر المسؤولية فوقع الانفصال وكانت مريم رضيعة. قالت الأم إن والد مريم سافر لفترة للعمل، وإن التواصل انقطع وسط نزاعات العائلتين. في تلك الفترة، سألت مريم الصغيرة مرارًا عن أبيها، فقالت لها أمها مرة في لحظة ضعف إنه ذهب ولن يعود، ثم تطورت القصة بمرور السنوات حتى أصبحت «مات قبل أن تولدي».

قالت مريم: «يعني بدأت الكذبة صغيرة ثم لم تعرفي كيف تراجعين؟» بكت الأم: «نعم». — وهل منعته من رؤيتي؟ — في البداية نعم. — وبعد ذلك؟ قالت: «عندما كبرتِ، حاول». — وأنتِ رفضتِ؟ أومأت الأم. قالت مريم: «لماذا؟» — كنت أخاف أن تكرهيني. نظرت مريم إليها طويلًا ثم قالت: «والآن ماذا تعتقدين أنني أشعر؟» لم تجب الأم.

مرت أيام لم تتحدث فيها مريم مع والدتها، لكنها بدأت تتحدث مع هناء. لم تكن تريد أسرارًا جديدة، فقالت لها منذ البداية: — لا أريد منك تجميل أبي. — لن أفعل. — ولا أريد أن تجعلي أمي الوحيدة المخطئة. — لن أفعل.

قالت هناء: «أخي أخطأ أيضًا». — كيف؟ — كان بإمكاني أن يقاتل أكثر ليصل إليك.

توقفت مريم؛ هذه الإجابة لم تتوقعها. قالت هناء: «أحب أخي، لكنني لن أحوله إلى بطل لأنه توفي. كانت أمامه سنوات، أحيانًا حاول، وأحيانًا استسلم». أعجبت مريم بصراحتها؛ الحقيقة لم تكن قصة شخص طيب وآخر شرير، بل كانت مجموعة قرارات سيئة اتخذها بالغون ودفعت طفلة ثمنها.

بدأت مريم تتعرف إلى عائلة أبيها، إلى عماتها، وأبناء عمومتها، وإلى آدم؛ الطفل الذي بدأ كل شيء بجملة واحدة داخل الفصل. في أحد الأيام، كان آدم في مكتبها فقال: — هل أنتِ غاضبة مني؟ ابتسمت: «لماذا؟» — لأنني قلت أمام الفصل إنك ميتة. ضحكت مريم للمرة الأولى على الأمر: «قليلًا». فتح عينيه ثم ضحك: «أمزح». قال: «أمي قالت إنني فعلت شيئًا جيدًا». فكرت مريم ثم قالت: «فعلت شيئًا كان يجب على الكبار فعله منذ زمن».

بعد عدة أشهر، ذهبت مريم إلى قبر والدها للمرة الأولى. وقفت أمام الاسم: «عبدالرحمن»، الرجل الذي اعتقدت طوال حياتها أنه مات قبل أن تراها عيناه، ثم اكتشفت أنه رآها وتحدث معها والتقط صورة بجانبها وعاش سنوات بعدها. جلست ووضعت الصورة أمامها وقالت: — أتذكرك الآن.

تذكرت المناسبة، والرجل الذي سألها ماذا تريد أن تصبح؛ «معلمة»، وقد أصبحت أكثر من ذلك، أصبحت مديرة مدرسة. ابتسمت وسط دموعها: «كنت محقًا، أحببت التعليم». بقيت قليلًا ثم وقفت؛ لم تقل له إنها سامحته، ولم تكن تعرف أصلًا إن كانت غاضبة منه أم حزينة عليه، فبعض المشاعر تحتاج وقتًا.

أما والدتها، فعادت مريم للتحدث معها تدريجيًا. لم تنسَ ما حدث ولم تتصرف وكأن الاعتذار يمحو ثلاثين عامًا، لكنها أرادت أن تفهم. وفي إحدى الليالي، قالت لها أمها: — أعرف أنك لن تثقي بي بالطريقة نفسها. قالت مريم: «ربما». — هل ستسامحينني؟ فكرت مريم ثم قالت: «لا أعرف بعد». كانت تلك أصدق إجابة تستطيع تقديمها. أمسكت الأم يدها ولم تطلب أكثر.

مر عام، وفي أول يوم دراسي من العام التالي، كانت مريم تمر على الفصول ودخلت الصف نفسه. كان آدم قد انتقل إلى صف أعلى، لكن عندما رآها في الممر ركض نحوها: — أستاذة مريم! توقفت: «نعم؟» ابتسم وقال: «ماما تقول إنك ستأتين عندنا الجمعة». — صحيح. — يعني صرتِ من العائلة رسميًا؟ ضحكت: «كنت من العائلة أصلًا يا آدم». فكر قليلًا ثم قال: «لكنك لم تكوني تعرفين». توقفت عند الجملة وابتسمت: «بالضبط».

ركض عائدًا إلى أصدقائه، أما مريم فبقيت تنظر إليه. قبل عام، دخلت المدرسة وهي تعتقد أن أول يوم لها كمديرة سيكون أهم ما يحدث في حياتها المهنية، لم تكن تعرف أن طفلًا في الصف الرابع سيقف أمام الجميع ويخبرها أن صورتها موجودة في منزله، ولا أن صورة واحدة ستعيد إليها نصف عائلة لم تكن تعرف أنها موجودة.

أكملت سيرها في الممر. وفي مكتبها، وضعت الصورة القديمة داخل إطار صغير؛ هي في السابعة عشرة ووالدها بجوارها. لم تعد الصورة لغزًا، ولم تعد دليلًا على كذبة فقط، بل أصبحت تذكيرًا بشيء تعلمته متأخرة: أحيانًا لا يغيّر الماضي ما حدث فيه، لكنه يغيّر تمامًا ما كنا نظن أننا نعرفه عنه.

أما آدم؟ فكلما مر أمام مكتبها، كان ينظر إلى الصورة ويبرسم، لأنه كان الطفل الذي عرف الحقيقة قبل المديرة نفسها.

تم نسخ الرابط