بنتي ازاي؟؟؟؟

لمحة نيوز

بعد ما ربينا تلات أولاد صبيان، وشفنا معاهم الشقاوة واليوم الطويل والبيت اللي دايماً مقلوب، كنت طبقت البطانية البينك الصغيرة اللي كنت اشتريتها من سنين بعيدة أوي وأنا لسه عروسة، وشيلتها في أعمق حتة في الدولاب للأبد، وقلت خلاص، حلم البنت ده راح لحاله.
كنت بحب ولادي أكتر من أي حاجة في الدنيا، وما كانش فيه أغلى عندي من ضحكتهم وشقاوتهم، بس جوزي طارق كان عارف دايماً وكاتم جوه قلبه إن فيه حلم واحد عمري ما قدرت أتنازل عنه تماماً.. كنت طول عمري نفسي في بنت تملى عليّا البيت، أهتم بلبسها وأسرح لها شعرها، وتحس بيا وبأسراري.
السنين جرت بينا بسرعة، الولاد كبروا وبقى عندهم عصامية واعتماد على نفسهم، ودخلنا في سن الهادئ، سن الأربعة وخمسين سنة، وفجأة، الحياة قررت تقلب كل الموازين في لحظة واحدة.
بعد سبعتاشر سنة من آخر صبي جبناه، الساعة جت 620 الصبح والتليفون رن بصوت حاد قطع سكون البيت.
قمت مفزوعة وقلبي اتقبض، مسكت التليفون لقيته طارق.
صوته كان غريب جداً، ناشف ومبحوح بطريقة خلت بطني تقبض من الرعب اصحي بسرعة يا دعاء البسي وتعالي على المستشفى.. وأوعي تجيبي الولاد معاكي، تعالي لوحدك.
قبل ما ألحق أسأله في إيه، قفل السكة في وشي. لبست أسرع ما يمكن، وركبت التاكسي وقلبي بيدق بجنون، طول الطريق وأنا برسم في عقلي كوارث؛ يا ترى مين تعب فيهم؟ طارق ولا واحد من الولاد عمل حادثة؟
لما وصلت المستشفى، نزلت جري وسألت على القسم، ولقيته واقفل برة غرفة الولادة، عيونه حمرا وشكله مهزوز كأنه شايف عفريت، وفي حضنه طفلة مولودة لسه جديدة ب تلف ببطانية بيضا.
وقفت مكاني متسمرة، عيني مفتوحة على الآخر وأنا بقول بصوت مهتز طارق.. دي.. دي بنت مين؟ وبتعمل إيه في إيدك؟
عينيه اتملت دموع فجأة ونزلوا على خدوده وهو بيبتسم ابتسامة غريبة مكسورة وقال بنتنا.. دي بنتنا يا دعاء.
وقبل ما ألحق أستوعب اللي قاله، أو أصرخ وأقول إزاي وإحنا في السن ده ومنين، حط البنت بحذر شديد بين إيديا الاتنين. كانت دافية، شعرها غامق وكتير، وصوابعها صغيرة بشكل مستحيل كأنها مرسومة، وعينيها رماديين بشكل يخطف القلب والعقل. أول ما بصيت لها، عياطي فلت مني ونزلت دموعي بغزارة، إحساس غريب ورهيب تملكني، كأن حتة من روحي اللي ضاعت سنين رجعت لي فجأة. طارق طاطا وباس جبهتي بحنان وقال لي اسمها حبيبة.. زي ما كنتي متمنية طول عمرك.
دماغي كانت بتلف ومش فاهمة أي حاجة بتحصل حواليا.. هو أنا بحلم؟ ولادة إيه في سني؟ وإزاي مراتي ومرات ولادي الكبار قاعدين في البيت ومحدش حس بحاجة؟
ولسه هاخد نفسي وأسأله تفاصيل تفاصيل، لقيت دكتور شاب لابس بالطو أبيض بيقرب مننا بخطوات سريعة وعيونه فيها نظرة جدية قاسية وقال مدام دعاء طارق؟ ممكن أتكلم لحضرتك على انفراد في مكتبي لو سمحتي؟
طارق اتوتر في ثانية، وعروق رقبته ظهرت، وشدني من دراعي وقال بصوت حاد وعالي نسبياً ده مش هيلزم.. إحنا ماشيين يا دعاء، خدي البنت وامشي معايا.
بس الدكتور طنشه تماماً، ووقف قدامي كأنه حيطة سد وقال بهدوء حازم أنا باتكلم مع المدام بخصوص الملف الطبي للطفلة، وده قانوني وإنساني ولازم تتميه بنفسك يا فندم.
بعد لحظات ثقيلة كأنها دهور، كنت قاعدة جوه مكتب الدكتور والباب مقفول بالمفتاح ورانا. الريحة جوه كانت ريحة أدوية ومطهرات، وقعدت على الكرسي وأنا ضامة الطفلة لحضني زي ما يكون حد عايز يخطفها مني. الدكتور بص لي بتمعن شديد كأنه بيقرا أفكاري وقال هل جوزك شرح لك حبيبة دي جات هنا إزاي؟
بلعت ريقي بصعوبة وقولت بصوت ناشف لأ.. قال إنها بنتنا.
حاجة اتغيرت في تعبيرات وشّه، نظرة شفقة مخلوطة بصدمة. مد إيده جاب ملف أزرق تخين، وزقه على المكتب ناحيتي ببطء.
فتشته، ولقيت قدامي تقرير تحليل DNA رسمي ومختوم. أول اسم لفت نظري كان اسم طارق.. جوزي. بصيت على النتيجة وفتحت عيني على أخرها.. نسبة الأبوة صفر في المية!
فضلت باصة في الصفحة، الحروف كانت بتتحرك قدامي ومش فاهمة حاجة، رفعت عيني للدكتور وقولت بصوت مخنوق لو طارق مش أبوها.. أومال إزاي جابها وقال لي دي بنتنا؟ وليه جابها أصلاً المستشفى دي وكأنها ولادتي؟!
من غير ما يرد بكلمة واحدة، الدكتور قلب الصفحة وجه على اللي بعدها. المرة دي، اسمي أنا اللي كان مكتوب فوق خالص بوضوح الشمس دعاء. بصيت على النتيجة التانية وجسمي كله سقع.. نسبة القرابة البيولوجية 99 8.
صوابعي تلجت والطفلة كادت تسقط من إيديا. قريت الرقم مرة واتنين وتلاتة وأنا متأكدة إني جالي جنون أو إني فهمت غلط. بصيت للدكتور بانهيار وقولت ده مستحيل.. ده جنون مطلق! إزاي 99 8 وأنا عندي أربعة وخمسين سنة؟ أنا منقطع عني التبويض والخلفة من سنين، وبطني مكنش فيها حمل أساساً! ده تزوير أو غلط في العينات!
الدكتور هز راسه بهدوء مرعب وقال مش غلط ولا تزوير.. التحللين اتعملوا تلات مرات للتأكد لأننا كنا مستحيل نصدق بعניنا.. أنتي الأم البيولوجية للطفلة دي يا مدام دعاء بنسبة 99 8.
قلبي بدأ يدق بجنون كأنه هيطلع من ضلوعي، والدنيا سابت من حواليا.. أومال إزاي؟! فهمني! مين أمها الحقيقية لو أنا أمها؟ وإزاي أنا خلفتها وأنا في السن ده ومحسيتش بحمل ولا ولادة؟!
الدكتور اتردد في الإجابة، ولسه هيفتح بوقه وينطق بالحقيقة المرعبة اللي هتهد حياتي، وفجأة.. سمعنا حد بيخبط بعنف وقوة جنونية على باب المكتب، والصوت اللي بره كان صوت طارق بيزعق بصوت مسطول وغاضب افتح الباب يا دكتور! دعاء.. اخرجي حالاً.. سيبك منه ده مجنون!
قبل ما ألحق

تم نسخ الرابط