جوازة بنت اختى الغريبة

لمحة نيوز

متلمسهاش. قال ده جوازي. سلمى ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة إنت دايمًا بتقول الجملة دي لما تكون عايز تقول إني ملكك.
مديحة قربت منها سلمى، إنتِ متعصبة دلوقتي. حطي الشنطة ونتكلم بكرة بهدوء. سلمى بصتلها زي ما اتكلمتوا مع نهى؟
سكت الجميع. أبو أحمد بص في طبقه، وأخته كانت مصدومة، وأحمد قال إنتِ متعرفيش إيه اللي حصل بيني وبين نهى. سلمى قالت قريت جوابها.
وشه اصفر، مديحة همست جواب إيه؟
سلمى فتحت الشنطة، جواها كان في كشوف حسابات بنكية، وجواب نهى، وكشكول صغير. قالت نهى كانت مسجلة كل حاجة. أحمد اتحرك خطوة الحاجات دي مش بتاعتك. قالت فعلًا. بتاعة نهى. يبقى ملكيش حق تاخديها.
سلمى بصتلي جاهزة؟ قلت جدًا.
واتحركنا ناحية باب الشقة، لكن أحمد وقف قدامه وقال إنتِ مش خارجة من البيت ده.
محدش اتحرك، وأخيرًا... ظهر أحمد الحقيقي. مش العريس اللطيف، ولا الزوج اللي بيبتسم قدام الناس، ولا الراجل اللي كان قاعد بياكل بمنتهى الهدوء ومراته واقفة تخدمه. الراجل اللي تحت القناع ظهر. الغريب إن سلمى شكلها ارتاح، يمكن لأنها أخيرًا سمعته بيقول الكلام ده قدام شهود. قالت ابعد. إنتِ مراتي. مش لمدة طويلة. سلمى...
رفعت جواب نهى إنت قلتلي إنها سابتك. فعلًا سابتني. سلمى هزت راسها لأ. وبصتله في عينه هي هربت منك.
وش أحمد بقى قاسي. سلمى قالت وأنا كمان ههرب.
طلعت موبايلي وطلبت الطوارئ. أحمد بص للشاشة وبعدين بص لعيلته، وفجأة أبوه اتكلم لأول مرة سيبهم يمشوا. أحمد لفله بابا؟! قلت سيبهم يمشوا.
مديحة همست باسم جوزها، لكنه تجاهلها. أحمد اتحرك من قدام الباب. سلمى خرجت وأنا خرجت وراها. مقدرتش تاخد نفسها طبيعي غير لما دخلنا عربيتي وقفلت الأبواب. أول ما قفلت السنتر... سلمى انهارت في العياط. حضنتها وقلت أنا آسفة. رفعت وشها على إيه؟ كان المفروض آخد بالي. قالت محدش خد باله. قلت أنا خدت بالي النهارده.
بصتلي وسألتها على فكرة، لما كتبتي متمشيش لوحدك... كنتِ تقصدي إيه بالظبط؟ ضحكت وسط عياطها كنت أقصد متسيبينيش وتمشي. حضنتها طب ما كنتِ كتبتي كده من الأول! قالت كنت مرعوبة! وضحكنا إحنا الاتنين. وبعدين سلمى رجعت تعيط، وتحركت بالعربية قبل ما أحمد يغير رأيه.
تاني يوم الصبح، سلمى كلمت محامي، وبعدها بدأنا ندور على نهى. استغرق الموضوع أربع أيام، واكتشفنا إنها عايشة في محافظة تانية ورجعت تستخدم اسم عيلتها قبل الجواز. سلمى فضلت باصة للموبايل وقت طويل قبل ما تتصل. ردت ست ألو؟ قالت سلمى نهى؟ مين معايا؟ أنا سلمى.
سكتت. سلمى كملت مرات أحمد.
الصمت اتغير تمامًا، وبعدين نهى سألت سؤال واحد إنتِ في أمان؟ سلمى حطت إيدها على بوقها آه. نهى سألت تاني متأكدة؟ أنا في بيت خالتي. نهى أخدت نفس طويل كويس.
سلمى حكتلها عن البدروم وحكتلها كل حاجة. وفي الآخر، نهى كانت بتعيط وقالت أنا كنت فاكرة مديحة دمرت كل حاجة. قالت سلمى لأ... احتفظت بيهم.
لكن السؤال كان ليه؟ وبفترة عرفنا السبب. كشوف الحسابات مكنتش بتورط أحمد لوحده، كان فيها تحويلات مالية لحساب مرتبط بمديحة. نهى كانت اكتشفت الموضوع وواجهتهم وهددت إنها هتاخد إجراءات قانونية، ورد أحمد كان إنه بدأ يقول لكل الناس إنها غير مستقرة نفسيًا، وفي النهاية نهى اختارت إنها تهرب بنفسها، وبالنسبة لها النجاة كانت أهم من الفلوس.
أما مديحة، فبدل ما تدمر المستندات، خبتها؛ غالبًا خافت إن تدميرها يعمل لها مشكلة أكبر لو الموضوع اتكشف، وفي نفس الوقت كانت واثقة إن محدش هيلاقي البدروم لحد ما سلمى دخلته. سلمى بعتت لنهى نسخ من كل المستندات، والاتنين سلموا كل حاجة لمحاميهم.
لكن اللي اكتشفوه بعدها خلّى سلمى تتعب حرفيًا؛ أحمد كان بدأ بالفعل يسحب مبالغ صغيرة من الحساب المشترك بينه وبين سلمى وكان بيسجلها كمصاريف بيت، وجزء من الفلوس دي كان بيروح لسداد ديون أهله. والأغرب... إن السحب بدأ تقريبًا في نفس الوقت اللي قواعد عزومات الجمعة بدأت تبقى أشد.
نهى مسبتش لسلمى مجرد تحذير، نهى سابتلها خريطة. أحمد ومديحة كانوا بيمشوا تقريبًا بنفس الخطوات للمرة التانية، لكن المرة دي كان في فرق؛ بقى في ستين بيتكلموا مع بعض ويقارنوا اللي حصل. أحمد مكنش هيقدر يقول إن الاتنين مجانين ويتوقع إن كل الناس تصدقه. سلمى رفعت قضية طلاق، ونهى أعادت فتح مطالبتها المالية باستخدام المستندات الجديدة. مكناش نعرف هل كل الفلوس هترجع ولا لأ، لكن رواية أحمد عن جوازه الأول بدأت تنهار بسرعة، لأن مراته التانية كانت بتحكي نفس الشكاوى، نفس الأسلوب، نفس الخطوات، ومع الاتنين في مستندات.
مديحة فضلت تتصل بيا كتير، وفي الآخر رديت. قالت إنتِ اللي بوظتي جوازهم. قلت لأ. قالت إنتِ اللي مليتي دماغ سلمى بالكلام الفاضي. قلت أنا مكتبتش جواب نهى. سكتت وبعدين قالت سلمى مبتفهمش يعني إيه جواز.
كنت هضحك وقلت هو الجواز معناه إنها تاكل لوحدها في المطبخ؟ قالت الموضوع اسمه احترام. قلت احترام مين؟ قفلت السكة في وشي.
بعد أسبوعين، نهى جت تزورنا. سلمى كانت متوترة من الصبح، ولما جرس الباب ضرب، وقفت في طرقة البيت مكانها وقالت مش قادرة. قلت مش لازم تقابليها. قالت لأ. أخدت نفس أنا عايزة أقابلها.
فتحت الباب. نهى كان عندها أربعة وتلاتين سنة، وكانت أقصر مما تخيلتها،
وفي إيديها علبة حلويات. فضلوا واقفين قدام بعض كام ثانية من غير كلام، وبعدين نهى رفعت العلبة وقالت بصراحة معرفتش الناس بتجيب إيه في مناسبة زي دي. سلمى ضحكت وأنا كمان معرفش!
الجملة كسرت التوتر. عملنا قهوة وقعدوا يتكلموا حوالي تلات ساعات. جزء من الكلام كان مؤلم، وجزء تاني كان مضحك بطريقة غريبة، لأنهم اكتشفوا إن أحمد استخدم نفس الحجج ونفس الأعذار مع الاتنين. وبعدين نهى سألت سلمى هما كانوا بيخلوكي تاكلي في المطبخ إنتِ كمان؟
ابتسامة سلمى اختفت آه.
سكتوا. تفصيلة صغيرة جدًا، أي حد من بره كان ممكن يسمعها ويقول يعني إيه المشكلة؟، لكنها حصلت للاتنين. قالت سلمى مديحة كانت بتقول إن دي عادات العيلة. نهى قالت قالتلي نفس الكلام. سلمى سألتها طب ليه؟
نهى بصتلها وقالت جملة فضلت في دماغي وقت طويل لأن أول ما تقبلي إنك متستحقيش كرسي على السفرة... هيبقى أسهل بعد كده تقبلي أي حاجة تانية.
عدت شهور. الطلاق مكنش سهل، لكن سلمى عمرها ما رجعت لأحمد. أحمد كان يوم يعتذر، ويوم يتهمها، ويوم يحاول يقنعها إنها ظلمته، لحد ما محاميها وقف أي تواصل مباشر بينهم. أما نهى، فقدرت تسترجع جزء من الفلوس اللي خسرتها، لكن الأهم إن المستندات اللي لقتها سلمى أثبتت جزء كبير من الكلام اللي نهى كانت بتحاول تقوله للناس من سنين؛ ناس كانوا كذبوها... بدأوا يتصلوا بيها، بعضهم اعتذر، ونهى مقبلتش كل الاعتذارات، واحترمتها جدًا على ده.
أما سلمى، فاستأجرت شقة خاصة بيها. وفي يوم نقل العفش، اشترت سفرة؛ مكنتش غالية، سفرة خشب مستعملة، فيها خدوش على أحد الجوانب، لكن سلمى حبتها جدًا. أول جمعة بعد ما خلصت ترتيب الشقة، عزمتني أنا ونهى على الغدا. سلمى عملت فراخ في الفرن، أنا جبت العيش، ونهى جابت البطاطس، وقعدنا على السفرة.
لكن سلمى فضلت واقفة وقالت نسيت الميه. جابت الميه وبعدين بصت للأطباق طب استنوا أقدملكم الأكل. قلت سلمى. بصتلي. قلت اقعدي. قالت بس هحطلكم الأكل الأول. قلت الأكل مش هيطير.
إيدها كانت ماسكة ضهر الكرسي، وللحظة... شفت العادة القديمة؛ اخدمي الأول، كلي بعدين، خلي الكل مبسوط، لازم تكسبي مكانك على السفرة. لكن نهى سحبت الكرسي اللي جنبها وقالت أكلك هيبرد.
سلمى بصتلها وبعدين... قعدت. ومحدش طلب منها تقوم تاني.
في نص الأكل، سلمى بدأت تبتسم وهي بتبص حوالين السفرة. سألتها بتضحكي على إيه؟ قالت ولا حاجة.
لكن أنا كنت عارفة؛ من ست شهور، كنت فاكرة إن سلمى اتجوزت ودخلت العيلة اللي كانت بتحلم بيها طول عمرها؛ عيلة محترمة، مترابطة، متمسكة بالعادات والتقاليد. مكنتش أعرف إيه اللي الكلمات دي ممكن تخبيه وراها. يوم فرح سلمى، مديحة حضنتني وقالت سلمى بقت بتاعتنا. وقتها افتكرت إنها تقصد بقت بنتنا، لكن بعد كل اللي حصل... فهمت هي كانت تقصد إيه بكلمة بتاعتنا.
سلمى لفترة طويلة كانت فاكرة إن الحفاظ على العيلة معناه إنها تستحمل أي حاجة العيلة تطلبها منها. جواب نهى علّمها العكس، والبدروم علّمها العكس، لكن أهم درس بالنسبة لي حصل على سفرة خشب مستعملة في شقة صغيرة؛ تلات ستات قاعدين بياكلوا مع بعض، مفيش واحدة واقفة تخدم الباقيين، مفيش واحدة مستنية الإذن عشان تقعد، ومفيش واحدة بتاكل لوحدها في المطبخ. لأن العيلة اللي بتطلب منك تتنازل عن كرامتك عشان تسمحلك بمكان على سفرتها... مش بتعرض عليك الانتماء، هي بتطلب منك الطاعة. وسلمى أخيرًا... عرفت الفرق.

تم نسخ الرابط