الطلاق مش مبرر
الطلاق مش مبرر أبدًا عشان تقفلي الباب في وشي.
البيت بيتك، وفي أوضّة فاضية تانية ده اللي حماتها القديمة قالتهوها.
نينا كانت ماشية في الناحية اللي فيها شمس من الشارع، وفي إيدها كيس ورق مليان فراولة، بس للأسف الفراولة كانت بدأت تنزل ميتها من تحت الكيس. كانت فراولة موسمها لسه بدري، غالية ومش منطقية خالص زي كل حاجة حلوة بتحصل في حياتها. هي اشترتها بس عشان أختها داليا جاية تزورها النهارده.
بعد الشتا، المدينة كانت شكلها كأن حد مسحها بفوطة ونضفها. أشجار الزيزفون بدأت تطلع ورق أخضر صغير ولسه طري، والأطفال صوتهم مالي الشوارع، وقريب من موقف الأتوبيس، بنت صغيرة عندها حوالي خمس سنين كانت بتزق عربية أطفال لعبة بجدية غريبة.
نينا لقت نفسها بتبتسم للناس اللي معدية قدامها، والغريب إنها المرة دي ماحستش بأي إحراج.
فجأة موبايلها اهتز في جيبها.
عرفت مين قبل حتى ما تطلعه.
نينا، إزيك يا حبيبتي؟ أمها قالت بصوت سريع وعملي. إنتِ فاكرة إن داليا جاية تقعد عندك النهارده، صح؟
طبعًا فاكرة. الفراولة خلاص غرقت إيدي بالعصير، ودي أكبر علامة على حبي ليها.
سكتت أمها لحظة، وبعدين قالت
هي جاية بالقطر، هتوصل حوالي الساعة ستة. حضريلها سرير عدل، مش السرير الصغير اللي بيتفتح ويتقفل ده.
اطمني، أنا اتبرعت بيه رسميًا لمتحف الحياة اليومية. يعني مش موجود أصلًا.
سكتت أمها شوية، لكن في الآخر ماقدرتش تمنع نفسها من السؤال
طب أحمد كلمك؟
نينا زفرت وقالت
آه، من نص ساعة. قال إن أمه عايزة تكلمني.
وإنتِ؟
قولتله لأ وقفلت. أنا مش ناوية أدخل في الموسم الجديد من المسلسل ده.
أمها أطلقت همهمة رضا، وقبل ما تقفل معاها قالت
كويس يا بنتي خليكِ كده.
قفلت نينا المكالمة وحطت الموبايل في جيبها.
لكن الموبايل اهتز تاني على طول، المرة دي برسالة قصيرة.
فتحتها، وقرأت
إنتِ فين؟
ووقفت نينا مكانها فجأة لأن الرسالة ماكنتش من أحمد...
وقفت نينا في نص الشارع، وعينيها ثابتة على شاشة الموبايل كأن الرسالة اللي ظهرت قدامها محتاجة ترجمة، مع إن الكلمات كانت واضحة جدًا إنتِ فين؟
رفعت رأسها وبصت حواليها بسرعة، وبشكل تلقائي شدت كيس الفراولة ناحية صدرها. الشارع كان عادي جدًا؛ ناس رايحة وجاية، عربيات بتعدي، طفل بيجري ورا أمه، وست كبيرة واقفة قدام محل خضار بتجادل البائع في سعر الطماطم. مفيش أي حاجة غريبة.
رجعت بصت للموبايل.
الرقم مش متسجل.
والأغرب من كده إن الرسالة وصلت من رقم كانت نينا حافظاه عن ظهر قلب، حتى لو الرقم اختفى من حياتها من سنين.
رقم سامر.
جوز أختها داليا السابق.
نينا فضلت واقفة ثواني طويلة مش عارفة ترد ولا لأ. سامر كان آخر شخص تتوقع في الدنيا إنه يسألها هي فين، خصوصًا إن علاقته بداليا انتهت من أكتر من سنة بطريقة خلت العيلة كلها تتجنب حتى ذكر اسمه.
كتبت مين؟
مسحتها.
كتبت إنت عايز إيه؟
مسحتها برضه.
وفي الآخر كتبت إنت بتسأل ليه؟
الرد جه بسرعة غريبة
لأن داليا مش في القطر.
نينا حسّت إن قلبها وقع في رجليها.
فضلت تحدق في الجملة كذا ثانية، وبعدها اتصلت بأختها فورًا.
مرة.
مرتين.
ثلاثة.
مفيش رد.
اتصلت بأمها، فردت من أول رنة تقريبًا.
نينا؟
ماما، داليا كلمتك؟
لأ، ليه؟ مش هي في القطر؟
سامر بعتلي وقال إنها مش في القطر.
ساد صمت طويل على الطرف التاني.
وبعدين صوت أمها اتغير تمامًا.
إنتِ متأكدة إنه سامر؟
الرقم بتاعه.
ما ترديش عليه.
ماما، أختي اختفت! هرد عليه طبعًا.
نينا اسمعيني، سامر ده آخر واحد نثق فيه.
وأنا مش واثقة فيه أصلًا، بس هو الوحيد اللي بعتلي دلوقتي!
قفلت نينا المكالمة من غير ما تستنى رد، واتصلت بداليا تاني.
المرة دي التليفون كان مغلق.
نينا حست ببرودة غريبة في أطرافها رغم إن الجو كان دافي.
رجعت لرسالة سامر
هي فين؟
الرد
مش عارف.
إنت اللي سألتني أنا فين، ليه؟
ظهرت علامة الكتابة.
اختفت.
ظهرت تاني.
وبعدين وصلت رسالة
لأنها كانت عندي من ساعتين.
نينا شهقت بصوت مسموع.
واحد من المارة بص لها باستغراب.
مشت بسرعة ناحية أول مقعد خشبي شافته وقعدت، وحطت كيس الفراولة جنبها.
كانت عندك ليه؟
جت تقابلني عشان موضوع قديم.
موضوع إيه؟
مش هينفع أكتبه هنا.
نينا فقدت أعصابها.
اتصلت بيه.
رد بعد الرنة التالتة.
ألو؟
داليا فين يا سامر؟
صوته كان هادي بشكل مستفز
لو كنت عارف، كنت قلتلك.
إنت بتبعتلي تقول إنها مش في القطر، وبعدها تقول مش عارف هي فين؟
لأن آخر مكان شوفتها فيه كان عندي.
إيه اللي حصل؟
اتخانقنا.
وبعدين؟
مشيت.
مشيت فين؟
معرفش.
نينا قامت من مكانها.
إنت فاهم إن داليا أختي؟ وإنها كانت جاية عندي؟ وإن ماما مستنياها؟
فاهم.
يبقى قول كل اللي حصل.
صمت سامر للحظات، ثم قال
داليا كانت بتدور على حاجة.
إيه؟
ملف.
ملف إيه؟
ملف متعلق بطلاقنا.
نينا سكتت.
سامر كمل
قبل ما تمشي، قالتلي إن الملف ده موجود عند شخص من عيلتكم.
مين؟
أحمد.
نينا جمدت مكانها.
أحمد.
طليقها.
نفس الشخص اللي أمها سألتها من شوية إذا كان كلمها.
نفس الشخص اللي بعت لها من نص ساعة وقال إن أمه عايزة تكلمها.
نفس الشخص اللي نينا كانت مصممة إنها مش هدر تدخل تاني في أي فصل من فصول حياته.
إنت بتقول إيه؟
بقول إن داليا كانت بتسألني عن أحمد.
ليه؟
لأنها اكتشفت حاجة.
حاجة إيه؟
سامر قال بصوت منخفض
حاجة تخصك إنتِ.
وقبل ما نينا تلحق تسأله، المكالمة اتقطعت.
حاولت تتصل بيه تاني.
الموبايل مقفول.
في اللحظة دي، وصلتها رسالة جديدة من رقم داليا
نينا، متروحيش بيت أحمد مهما حصل.
نينا قرأت الرسالة مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وبعدين بصت في أعلى الشاشة.
الرسالة اتبعت من رقم داليا فعلًا.
لكن قبل ما تستوعب، وصلت رسالة تانية
ولو أم أحمد كلمتك، ما تروحيش.
نينا حست إن دمها نشف في عروقها.
اتصلت بداليا فورًا.
مغلق.
فتحت تطبيق تحديد الموقع اللي كانوا عاملينه بين بعض من أيام سفر داليا الأخيرة، وكانت المفاجأة إن الموقع ظهر من حوالي عشرين دقيقة.
المكان كان قريب.
قريب جدًا.
نينا رفعت رأسها، وبصت للشارع.
العنوان كان على بُعد حوالي سبع دقائق مشي.
المكان مستشفى المدينة القديم.
نينا ما فكرتش حتى.
خدت كيس الفراولة، رميته في أقرب سلة مهملات، وجريت.
طول الطريق كانت بتتصل بأمها، لكن أمها ما ردتش.
وصلت المستشفى وهي بتنهج، ودخلت من الباب الرئيسي.
الممرضة اللي على الاستقبال رفعت رأسها.
لو سمحتي، أنا بدور على واحدة اسمها داليا.
الممرضة فتحت الكمبيوتر.
داليا إيه؟
نينا قالت اسمها كامل.
الممرضة فضلت تدور ثواني، وبعدين قالت
مفيش مريضة بالاسم ده.
مستحيل.. ممكن تكون في الطوارئ؟
نينا جريت ناحية الطوارئ.
وبعد دقائق من السؤال والبحث، واحدة من الممرضات قالت
في واحدة جت من حوالي نص ساعة، بس سجلت باسم مختلف.
اسمها إيه؟
الممرضة بصت في الورقة نور.
نينا حسّت ركبها بتضعف.
ممكن أشوفها؟
إنتِ قريبتها؟
أختها.
الممرضة دخلت ناحية غرفة الطوارئ، وبعد أقل من دقيقة رجعت
هي مش موجودة.
يعني إيه مش موجودة؟
دخلت وخرجت.
خرجت مع مين؟
الممرضة ترددت راجل.
مين الراجل؟
معرفش.
نينا أخرجت موبايلها وفتحت صورة أحمد.
الراجل ده؟
الممرضة بصت للصورة، وبعدين هزت راسها لأ.
سامر؟ عرضت صورته.
الممرضة برضه قالت لأ.
طيب مين؟
الممرضة قالت راجل كبير شوية، لابس بدلة رمادي.
نينا خرجت من المستشفى وهي مش عارفة تعمل إيه.
وفي اللحظة اللي وصلت فيها للشارع، عربية سوداء