صحيت من العملية ولقيت كليتي ناقصة
الأوضة سكتت. مي رفعت عينيها لأول مرة عن إيدها. الدكتور حسام قال: — التسجيل ده مش كل حاجة. وضغط على مقطع تاني. ظهر فاروق قبل العملية بيومين، واقف في ممر المستشفى وبيتكلم مع شخص من إدارة المستشفى: — أهم حاجه العملية تتم من غير ما حد يعرف التفاصيل. الرجل سأله: — ولو البنت سألت بعد العملية؟ فاروق رد ببرود: — مش هتسأل. هي مصدقة إني أبوها اللي بيحبها.
جسمي اتجمد. بصيت للدكتور حسام وأنا مش فاهمة. — يعني إيه “التفاصيل”؟ الدكتور قرب مني وقال: — قبل ما نبدأ العملية، حصلت حاجة خلتنا نشك. الظابط فتح ملف: — تحاليل المتبرعة كانت مطابقة، لكن المشكلة إن التحاليل الخاصة بالمستقبلة اتبدلت قبل دخول غرفة العمليات. مي شهقت: — إيه؟! الدكتور هز رأسه: — الكلية اللي اتزرعت في مي كانت من المفترض إنها كليتك فعلًا… لكن التحاليل اللي اتقدمت لنا باسم المتبرعة قبل العملية كان فيها تلاعب.
فاروق بدأ يزعق: — كلام فارغ! أنا هقاضي المستشفى كلها! الظابط رد: — عشان كده إحنا مش معتمدين على الكلام. ثم وضع قدامهم صورًا من كاميرات الممرات. الصورة الأولى: شهيرة وهي بتدخل مكتب موظف التحاليل. الصورة الثانية: ظرف فلوس بيتسلم. الصورة الثالثة: فاروق نفسه وهو بيخرج من المكتب بعد دقائق.
أنا بصيت لأبويا ودموعي نزلت من غير ما أحس: — أنت كنت بتخطط لإيه؟ فاروق سكت. الدكتور حسام قال: — في البداية، اعتقدنا إن الموضوع مجرد ضغط عائلي على المتبرعة. وبعدين بص للظابط: — لكن لما راجعنا الملف، اكتشفنا إن في مستندات اتعدلت بعد توقيعها. الظابط أضاف: — والأخطر إن في طلب رسمي مقدم باسم المتبرعة لإخلاء مسؤولية المستشفى من أي مضاعفات بعد العملية… والتوقيع مش توقيعها.
شهيرة بدأت تتراجع للخلف: — أنا معرفش حاجة! لكن الظابط شغل تسجيل جديد. صوت شهيرة كان واضحًا: — لو حصلها أي حاجة، هنقول إنها كانت موافقة وعارفة كل حاجة. شهيرة حطت إيدها على بوقها. مي بدأت تعيط: — ماما… إنتِ كنتِ عارفة؟ شهيرة ما ردتش.
هنا فهمت إن الموضوع أكبر من كلية. كانوا عايزين يقطعوا كل صلة بيا بعد العملية. ياخدوا مني اللي محتاجينه، وبعدها يخلوني أتحمل كل النتائج لو حصلت لي مضاعفات. لكن الدكتور حسام قال جملة قلبت الدنيا: — ولسه في مفاجأة. الظابط فتح تقرير الطب الشرعي: — نتيجة فحص العينة اللي اتأخدت قبل العملية بتقول إن فيه أثر لمادة دوائية اتأخدت للمتبرعة من غير ما تكون مكتوبة في ملفها. فاروق اتراجع خطوة: — مستحيل. الدكتور قال: — المادة دي كانت ممكن تأثر على ضغط الدم ووظائف الكلى، ووجودها في جسم المتبرعة قبل العملية محتاج تفسير.
بصيت لأبويا. فجأة افتكرت. قبل العملية بساعات، شهيرة كانت جايبة لي عصير وقالت: — اشربي يا حبيبتي، عشان تبقي قوية. أنا شربته كله. وفاروق وقتها كان واقف بعيد وبيتكلم في التليفون. الظابط سألني: — مين كان آخر شخص قدم لك أكل أو مشروب قبل العملية؟ بصيت لشهيرة. هي بدأت تهز رأسها بسرعة: — لأ! هي بتتخيل! لكن الدكتور حسام قاطعها: — العينة محفوظة، والكاميرات سجلت كل حركة في الممر.
الظابط أخرج مذكرة: — وبناءً على التسجيلات والأدلة، حضرتك وفاروق مطلوبين للتحقيق في شبهة التلاعب في الملف الطبي، والتزوير، وتعريض حياة المتبرعة للخطر. فاروق وقع على الكرسي. لأول مرة أشوفه مش رجل الأعمال القوي. كان مجرد راجل مرعوب. مي بصت له وقالت: — بابا… أنت عملت فيها كده عشاني؟ فاروق ما قدرش يرد.
أما أنا… فبصيت لكيس الزبالة الأسود اللي كان لسه مرمي جنب سريري. طلبت من الممرضة تشيله. وبعدها قلت للظابط: — أنا مش عايزة أنتقم منهم. الكل بص لي باستغراب. كملت: — أنا بس عايزة حقي… وعايزة كل حاجة حصلت تتكتب زي ما حصلت بالظبط. الدكتور حسام ابتسم: — وده اللي هيحصل.
بعد أسابيع، خرجت من المستشفى وأنا لسه في فترة التعافي. لكن المرة دي ما رجعتش لبيت فاروق. رجعت لشقة صغيرة باسمي. أما القضية فكشفت إن فاروق وشهيرة كانوا متورطين في سلسلة مخالفات وتلاعب بمستندات طبية، وإن مي نفسها لم تكن تعرف الحقيقة كاملة. والأغرب… إن المحكمة أثبتت إن فاروق كان قد بدأ قبل العملية بإجراءات قانونية للتخلص من مسؤوليته تجاه أي مضاعفات تحصل لي بعد التبرع. كان عايزني أدي بنته جزءًا من جسمي… وبعدها يخرجني من حياته كأني ما كنتش موجودة أصلًا.
بعد شهور، زارتني مي. كانت لسه بتتعافى من العملية. وقفت قدام باب شقتي وهي بتعيط، وقالت: — أنا آسفة. بصيت لها وقلت: — إنتِ مش مسؤولة عن اللي عمله أبوكي. قالت: — بس الكلية اللي في جسمي منك. ابتسمت ابتسامة صغيرة: — خدي بالك منها… دي الحاجة الوحيدة اللي خرجت مني بإرادتي. حضنتني وهي بتعيط. ولأول مرة في حياتي… حسيت إن الجزء اللي فقدته من جسمي ما راحش هدر.
أما أبويا؟ فآخر مرة شفته فيها كانت في المحكمة. بص لي من بعيد. كنت مستنية منه كلمة… أي كلمة. ولكنه ما قالش حاجة. وأنا كمان ما قلتش. لأن بعض العلاقات… ما بتحتاجش نهاية. بتحتاج بس إنك تعرف الحقيقة عنها. ومن يومها فهمت: مش كل حد بيطلب منك تضحي عشانه بيحبك… وأحيانًا أغلى حاجة ممكن تنقذيها مش حياة شخص تاني، لكن كرامتك أنتِ.