رجعت مصر فاجأ
رجعت مصر فجأة ومن غير ميعاد بعد أربع سنين شغل في كندا، لقيت مراتي "جميلة" حالقة زيرو وجسمها عبارة عن عضم وهياكل، وقاعدة في المنور بتاكل بواقي أكل. أمي "نادية" قالت بدم بارد إنها تستاهل اللي بيجرالها ده وإنها جابته لنفسها عشان بقت "نكدية" بعد ما عييت. أنا ماصرختش ولا زعقت. أنا مسكت أعصابي بالعافية، ووريتهم وشي التاني الهادي المرعب.
في اللحظة دي، موبايلي رن وكان سبعتاشر مكالمة فائتة من رقم كندي منورين على الشاشة، وكان فيه كمان إيميل وصل وأنا في الطيارة راجع مصر. فتحت الإيميل ببطء وأنا باصص في عين أمي وأختي "هيام" اللي كانوا متوترين وخايفين من رد فعلي.
قلت لنادية بهدوء: "إنتِ عندك حق.. الزعيق والعياط مش هيحلوا أي حاجة، وإحنا لازم نتكلم زي أي عائلة طبيعية".
أمي أرتاحت شوية وباين عليها الاطمئنان، وهيام كمان بطلت تتوتر وقعدت على الكنبة.
كملت كلامي وقلت: "وبصراحة، أنا كنت محضر لكم مفاجأة وخبر حلو كنت ناوي أقوله لكم بكرة، بس بما إننا اتجمعنا النهاردة، هقولكم عليه دلوقتي".
في لحظة واحدة، اهتمام نادية اتحول من جميلة للموبايل اللي في إيدي، ولمعت عينيها بطمع.
الإيميل كان بيأكد سبب السبعتاشر مكالمة: أنا لسه مضيّي عقد تسوية وتعويض نهائي عن حادثة الشغل القديمة بمبلغ مليون دولار، والفلوس اتحولت فعلاً على حسابي البنكي الكندي.
فضلت باصص عليهم ومراقب ملامح الصدمة والطمع وهي بترسم على وشوشهم قبل ما أنطق أي كلمة تانية. أنا ماكنتش راجع البيت ناوي على انتقام ولا شر. لحد اللحظة اللي دخلت فيها المنور ده، كنت لسه فاكر إن الفلوس اللي ببعتها كل شهر طول الأربع سنين كانت مخليّة مراتي في أمان ومستورة، وإن البيت بيتشطب عشان مستقبلنا. دلوقتي بس عرفت الطمع والجشع كلّف مراتي إيه وصحّتها إيه، وإنهم كانوا بيصرفوا فلوسي على رفاهيتهم وعربياتهم وصالونات التجميل، وسايبين مراتي بتموت بالسرطان في عشة الخزين.
وعشان كدة، قررت ألعب لعبة تانية خالص. قررت أديهم الطعم، وأشوفهم هيبلعوه إزاي.
قلت بصوت واثق وهادي: "يا جماعة، الحمد لله ربنا كرمني بتعويض كبير من الشركة في كندا.. مليون دولار كاش اتحولوا لحسابي النهاردة الصبح".
الشهقة اللي خرجت من نادية وهيام كانت مسموعة. أمي قامت وقفت وقربت مني بلهفة وقالت: "مليون دولار يا ابني؟ يا حبيبي يا نايل.. ألف مبروك يا نور عيني. طبعاً هتحطهم في حساب أختك هيام عشان هي اللي بتفهم في الاستثمار، ولا نكتب الفيلا الجديدة باسمي عشان أضمن حقك؟".
هيام هزت راسها بسرعة وقالت: "أيوه يا نايل، سيب الموضوع عليا وأنا هخليلك المليون يبقوا اتنين في خلال سنة".
بصيت لجميلة اللي كانت لسه قاعدة في المنور مذهولة ومش فاهمة حاجة، وبعدين بصيت لأمي ونادية وقلت بابتسامة خبيثة: "طبعاً يا أمي، إنتِ الخير والبركة، والفلوس كلها تحت أمركم. بس كنت عايز أحتفل معاكم النهاردة، ونعمل قاعدة عشاء محترمة زي زمان، وأنا هطلع أرتاح شوية من السفر وأغير هدومي، وبعدين نتكلم في تفاصيل الفلوس وبكره نروح البنك".
نادية وهيام كانوا في قمة السعادة، وبدأوا يجهزوا السفرة ويطلبوا أكل من بره، وكأن جميلة مش موجودة أصلاً، وكأنهم ماكانوش بيهينوها من دقايق. طلعت فوق الشقة اللي كنت مفكرها بيتي، لقيت الأوضة الرئيسية مقفولة بالمفتاح، ولما كسرت الباب، لقيت هدوم هيام وعفش جديد هما مشترينه بفلوسي مرصوص في كل حتة، ولقيت جميلة كانت بتنام فعلاً على مرتبة قديمة في عشة الغسيل اللي فوق السطوح.
نزلت تاني الصالة، وكان الجو مبهج على السطح. قعدنا ناكل محاشي وبط، وطارق جوز هيام كان موجود وبيبارك لي وبيتملقني عشان ياخد حتة من التورتة. طول العشاء، كنت بمسك إيد جميلة اللي كانت بترتعش وباكلها بلقمة لقمة، وأمي نادية بتبص لي بقرف وتهمس لهيام: "سيبيه دلوقتي يا بت، لما ياخد على الجو، بكرة الصبح المليون دولار هيبقوا في جيوبنا".
بعد العشاء، لما الليل دخل، والكل كان شبعان ومبسوط، وقفت على حيلي في الصالة ولميت الكوبايات الفاضية.
قلت بصوت عالي ومسموع: "يا جماعة، بمناسبة المليون دولار، وبما إني عارف إنكم تعبتوا معايا السنين اللي فاتت، أنا قررت أكتب لكم تنازل رسمي عن البيت القديم ده، وعن الأرض اللي وراه، وعن العربية الـ SUV الجديدة.. كلهم بقوا باسم الحاجة نادية وهيام من دلوقتي، وأنا هبدأ حياة جديدة مع جميلة في مكان تاني خالص".
نادية وهيام وطارق بصوا لبعض بذهول وفرحة مش مصدقين ودنهم. أمي قالت: "بجد يا نايل؟ يا ابن الأصول.. كدة نقدر نأجر البيت ده ونكسب منه دهب".
قلت ببرود: "أيوه بجد.. بس فيه شرط صغير عشان الورقة دي تبقى قانونية وتعرفوا تتصرفوا في الحاجات دي براحتكم".
نادية قالت بلهفة: "إيه هو الشرط يا نايل؟ إحنا موافقين على أي حاجة".