في ليلة عيد ميلادهم الـ18
في ليلة عيد ميلادهم الـ18... اليوم اللي استنيته سنين عشان أشوف تعبي بيكبر قدام عيني، قعدوني التوأم اللي ربيتهم لوحدي 13 سنة على سفرة المطبخ.
حطوا قدامي ملف أزرق تقيل، ونظروا لي وقالوا جملة واحدة جمدت الدم في عروقي:
"إحنا مش عايزينك تبقي خالتنا تاني."
حسيت إن الأرض بتلف بيا. اتجمدت مكاني، وعقلي رافض يستوعب الكلام. عمر كان باصص في الملف، بيحاول يهرب من عيني. أما آدم، فكان ضاغط على طرف الترابيزة بإيده جامد لدرجة إن صوابعه بقت بيضا من كتر التوتر.
وسط السكوت المرعب ده، صوت رنة موبايلي خضنا كلنا. رسالة من رقم غريب:
"مساء الخير يا أستاذة نادية... أنا الأستاذة منى المحامية اللي عمر وآدم كلفوني. أرجوكي ماتمضيش على أي ورقة قبل ما أكلمك وأفهمك كل حاجة."
في اللحظة دي... حسيت إن الـ13 سنة اللي فاتوا بيتكسروا وبيقعوا قدام عيني، حتة حتة.
كان عندي 26 سنة، في أحلى سنين عمري، لما أخويا محمود ومراته اتوفوا في حادثة على طريق الإسماعيلية. سابوا وراهم طفلين تايهين وسط زحمة العزا وبكاء القرايب. بعد ما السرادق انفض، العيلة كلها قعدت تتكلم عن "لازم نلاقي حل للولاد". الكل كان بيتكلم، بس الغريب إن كل واحد كان عنده حجة جاهزة تخليه يخلع من المسؤولية:
- ده يقول: "شقتي ضيقة ومش هتكفينا".
- وده يدعي: "شغلي واخد كل وقتي".
- والتالت يقول: "عندي عيال ومقدرش أفتح بيت تاني".
أما أنا... مكنش عندي شقة كبيرة، ولا قرشين في البنك، ولا حتى أي خبرة إزاي أربي طفلين لوحدي. بس لما بصيت للتوأم... لابسين بدلتين سودا واسعين عليهم، واقفين وسط الناس بنظرات خايفة وتايهة... عرفت إني مستحيل أسيبهم يتنقلوا من بيت لبيت، والكبار بيدوروا على "الحل الأسهل". مسكت إيديهم الصغيرين جامد، ورجعت بيهم بيتي.
اللي كان المفروض يبقى استضافة لأسبوعين... بقى عمر كامل كمل 13 سنة:
- اتعلمت فيهم أمضي على دفاتر المدرسة بدل أبوهم.
- أجري بيهم على المستشفى في نص الليل لما حد فيهم يسخن.
- أفهم سكات عمر... هل هو زعلان ولا تعبان؟
- وأميز بين سكوت آدم العادي... وسكوته لما يكون محتاج حضن دافئ.
13 سنة... كنت باخد شفتات زيادة في الشغل كل شهر، لأن رجليهم واحتياجاتهم كانت بتكبر أسرع من مرتبي. حضرت اجتماعات أولياء الأمور وش التعب مرسوم عليا، بس كنت ببقى فرحانة. أصحى الفجر أعمل سندوتشات المدرسة، أخيط هدوم الحفلات بإيدي وبحب، وأقف بالساعات قدام النادي مستنياهم يخلصوا تمرين. دفعت تقويم الأسنان، والدروس، والمصاريف... وكل شهادة نجاح كانوا بيجيبوها، كنت بحس إن ربنا يعوضني بيها عن وجع فقدان أخويا.
أما حياتي أنا... فكانت بتختفي واحدة واحدة. ناس دخلوا حياتي، ورجالة حاولوا يقربوا... بس في كل مرة، واحد من الولاد يعيا، أو تطلع فاتورة غير متوقعة، أو المدرسة تطلبني، أو يحصل أي ظرف. ومع الوقت... بطلت حتى أفكر في نفسي. وعمري... عمري ما قلتلهم إني ضحيت بعمري عشانهم. مكنتش عايزاهم يكبروا حاسين إنهم تقال عليا، ولا إنهم مديونين ليا بجميل. هم ماطلبوش مني أربيهم... أنا اللي اخترت، وطول 13 سنة... كان الاختيار ده حب كفاية بالنسبة لي.
عيد ميلادهم الـ18 كان المفروض يبقى احتفال بسيط؛ تورتة عملتها بإيدي، العيلة القريبة، نقلب في صور زمان، ونحكي حكايات عن أبوهم، وضحك يملأ البيت يطرد الحزن اللي عاش معانا سنين. ولما آخر ضيف مشي، وقمت ألم الأطباق... آدم وقفني بهدوء:
"اقعدي يا خالتي... لو سمحتي."
صوته الهادي بشكل يخوف، زرع الرعب في قلبي. دخل عمر أوضته، ورجع شايل ملف أزرق تقيل وظرف كبير. حطهم قدامي على الترابيزة وقال:
"دلوقتي بقينا 18 سنة... وبقى من حقنا ناخد الخطوة دي بنفسنا."
حاولت أخبّي قلقي وضحكت بهزار باهت: "عملتوا إيه؟! أخدتوا قرض من ورايا؟" ولا واحد فيهم ابتسم، وبعدين عمر قال الجملة اللي وقفت قلبي تاني:
"إحنا مش عايزينك تبقي خالتنا بعد النهارده."
بصيت لآدم، لقيت عينه مليانة دموع ماسكها بالعافية. سألت بصوت بيرتجف: "يعني... هتمشوا وتسيبوا البيت؟" هز راسه بسرعة وقال: "لأ." سألت: "أمال قصدكم إيه؟" زق عمر الملف ناحيتي، بس أنا... ماقدرتش أفتحه.
في ثانية واحدة، شريط الـ13 سنة عدى قدام عيني: ليلة العزا، أول يوم مدرسة، أول مرة قالولي "خالتو"، وكل عيد ميلاد ناقص فيه أبوهم. ودلوقتي... بقوا رجالة، ومبقوش محتاجينني قانوناً. يمكن... ده اللي جايين يقولوه.
وفجأة... تليفوني رن تاني برقم غريب. فتحت الرسالة: