كنت واقفة بالصدفة

لمحة نيوز

كنت واقفة بالصدفة وسمعت جزء من كلام بين جوزي وحماتي، وبعدها هما كمان سمعوا أنا قلت إيه.
يا ابني يا أحمد، إنت راجل! كانت حماتي، الحاجة سعاد، بتقول بصوت مليان السم اللي الناس بتحب تسميه اهتمام الأم. مراتك دي داهية. محاسبة، يعني طول الوقت بتحسب الجنيه قبل القرش، وتحوش فلوس فوق فلوس. بس أختك أميرة محتاجة الفلوس أكتر دلوقتي. الغلبانة زنقتها ضاقت تاني بسبب شغلها بتاع الأونلاين. غرامات ومصاريف وبتاع...
اتجمدت مكاني على طرقة البيت، وأنا ماسكة حوض فيه توت أسود مغسول. الستارة التل القديمة اللي في شباك المطبخ كانت بتتحرك مع الهوا، مخليّة المكان كله كأنه معمول مخصوص عشان الواحد يسمع اللي جواه.
ماما... دي فلوس ندى، جوزي قال بصوت ضعيف، كأنه بالونة مفرغة من الهوا. دي مكافأتها الربع سنوية. إحنا كنا عايزين نشتري سيراميك للحمام، إيطالي. لقينا عرض حلو.
السيراميك مش هيطير! دخلت أميرة في الكلام، وهي بتقرمش في البسكوت. إنما حياتي هي اللي بتنهار. يا أحمد، أنا محتاجة بس مية وخمسين ألف. أسدد بيهم الديون، وبعدها الدنيا تمشي تاني. أنا لقيت فكرة جديدة... هبيع هدوم فنتج وأعيد بيعها. الموضة دي منتشرة دلوقتي!
موضة إيه يا أميرة؟ أحمد تنهد. السنة اللي فاتت قولتي إن تربية الحلزون هي الموضة. وقعدنا تلات شهور بنلم الحلزونات من الجنينة.
ما تعايرنيش بالكلام ده! أميرة صرخت. ماما، قولي له! ندى مش هتاخد بالها لو قولتلها إن الصنايعية غلّوا الأسعار. إنت مقاول، اعمل مقايسة مضروبة! هي أصلًا ما تفهمش جاة في البناء، حتى لو نامت وهي ماسكة آلة حاسبة.
في اللحظة دي، حاجة جوايا نغزتني... لأ، مش زعل ولا حتى إحساس بالإهانة.
كان إحساس أقرب للحماس البارد اللي بييجي للدكتور قبل ما يبدأ عملية صعبة.
حطيت الحوض على الكرسي، ومسحت إيدي في المريلة، وبعد ما عدّيت في سري لحد تلاتة، دخلت المطبخ.
المشهد كان عامل زي لوحة متظبطة.
أحمد كان قاعد واطي راسه فوق كباية الشاي. الحاجة سعاد، بجسمها الممتلئ وروبها المشجر الملون، كانت واقفة فوق دماغه زي سحابة سودا مغطية الحتة كلها.
أما أميرة، فكانت قاعدة بشورت قصير مش مناسب لسنها شوية، وشعرها ملموم في كحكة عشوائية، وبتقلب في موبايلها وهي بتاكل في بسكوت الشوفان اللي أنا عملتة بإيدي...
أول ما دخلت المطبخ، ما حدش فيهم خد باله مني.
وقفت عند الباب ثانيتين، وبصيت على التلاتة واحد واحد.
وبعدين قلت بهدوء
كمّلوا.
أحمد رفع راسه بسرعة، وشه اتغير في ثانية.
ندى؟! 
أميرة وقفت أكل، والبسكوتة فضلت بين صوابعها.
أما الحاجة سعاد، فبالعكس تمامًا، ما اتوترتش.
بصتلي من فوق لتحت، وبعدين قالت
إنتِ سمعتي؟
ابتسمت.
آه.
أحمد قام من مكانه بسرعة.
ندى، استني... الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
رفعت إيدي أوقفه.
ولا يهمك. أنا فاهمة كويس جدًا.
الحاجة سعاد عقدت إيديها على صدرها وقالت
طب ما دام فاهمة، يبقى مفيش مشكلة. إحنا أهل، والفلوس فلوس بيت في الآخر.
بصيتلها.
فلوس بيت؟
أيوه.
طيب جميل.
روحت ناحية الترابيزة، وسحبت كرسي وقعدت.
أميرة بصت لأخوها، وبعدين قالت
هو إحنا هنكبر الموضوع ليه؟ كل اللي طلبته مساعدة.
هزيت راسي.
مية وخمسين ألف؟
أيوه.
وتتسدد إمتى؟
أميرة سكتت.
قلت
ولا مش مهم؟
قالت بسرعة
لما شغلي يمشي.
ضحكت ضحكة قصيرة.
آه. نفس الجملة اللي اتقالت لما حطيتي فلوس في مشروع الحلزون.
الحاجة سعاد ضړبت بإيدها على الترابيزة.
ندى! عيب تتكلمي عن أخت جوزك كده.
أنا ما غلطتش فيها. أنا بس بفكّرها.
أميرة قامت.
إنتِ من يوم ما اتجوزتي أحمد وإنتِ شايفة نفسك علينا!
بصيتلها بهدوء.
لأ. أنا من يوم ما اتجوزت أحمد وأنا شايفة إن مرتبي وفلوسي مش صندوق طوارئ للعيلة كلها.
أحمد قال بصوت واطي
ندى...
بصيتله.
إنت كنت عارف؟
سكت.
وده كان كفاية.
كنت عارف إنهم عايزين ياخدوا مكافأتي؟
أنا... ماما كلمتني.
وسألتني؟
كنت هسألك.
إمتى؟ بعد ما الفلوس تروح؟
أحمد نزل عينه للأرض.
هنا الحاجة سعاد دخلت بسرعة
يا بنتي ما هو جوزك! يعني لما أخته تقع، يسندها. إنتِ مش غريبة.
ابتسمت لها.
أنا فعلًا مش غريبة. بس واضح إنكم فاكرين إن الغريب الوحيد هنا هو أنا.
سكتت.
فتحت شنطتي اللي كانت على الكرسي، وطلعت موبايلي.
أميرة بصتلي باستغراب.
هتعملي إيه؟
ولا حاجة.
فتحت تطبيق البنك.
وبهدوء، بدأت أراجع حساباتي.
أحمد قرب مني.
ندى، بالله عليكي خلينا نتكلم برا.
مش محتاجة.
أنا غلطت.
رفعت عيني له.
أيوه، غلطت.
كانت أول مرة أسمع منه الاعتراف ده من غير ما يحاول يبرر.
لكنني ما اكتفيتش.
الغلط مش إنك عايز تساعد أختك. الغلط إنك قررت تساعدها بفلوسي من غير ما تاخد رأيي.
أحمد قال
أنا ما كنتش هعمل حاجه من غير ما أقولك.
بصيت له.
سمعتك بنفسك وإنت بتقول لماما إننا هنقول إن الصنايعية غلوا الأسعار.
سكت.
أميرة بصت لأمها.
والحاجة سعاد قالت بسرعة
يا ابني ما هي كانت مجرد فكرة!
رديت
فكرة؟
وبصيت لأأميرة.
إنك تطلبي من أخوكي فلوسك حقك. إنما إنك تطلبي منه يكدب عليا، دي مش مساعدة. دي سړقة متغطية بكلمة عيلة.
وش أميرة احمر.
إنتِ بتتهميني بالسړقة؟
لو الفلوس اتاخدت من غير علمي، أسميها زي ما أحب.
أحمد مسك دماغه.
يا جماعة كفاية.
الحاجة سعاد قالت
لا، ما نكمل! أنا عايزة أفهم. هو ابني بقى لازم ياخد إذن مراته عشان يساعد أخته؟
قلت
أيوه، لو المساعدة من فلوس مراته.
دي فلوس جوزك!
لأ. دي مكافأتي أنا.
سكتت.
كنت شايفة الڠضب في عينيها.
لكن الغريب إني ما كنتش ڠضبانة.
كنت هادية بشكل يخوفني أنا نفسي.
لأن في اللحظة دي، حاجة اتغيرت جوايا.
أنا طول عمرري كنت بحاول أثبت إني زوجة كويسة.
كنت أقول معلش، دي أمه.
وأقول معلش، دي أخته.
وأقول معلش، يمكن الظروف.
وأقول معلش، جوزي مضغوط.
لكن فجأة اكتشفت إن كلمة معلش دي كانت بتكلفني كتير.
أكتر مما كنت متخيلة.
حطيت الموبايل على الترابيزة.
وقلت
بالمناسبة...

تم نسخ الرابط