قصة لملك ابراهيم
قلبها وقف، حست إن الدم جمد في عروقها، الكتاب وقع من إيدها، قامت وقفت وهي بتترعش زي الورقة في الشتاء، وقالت بصوت مش طالع بابا.. بابا جه إزاي؟!
الباب اتفتح بعنف، وأبو فرح دخل الأوضة، أول ما شافها وقف قدامها ورفع إيده وضربها كف نزل على وشها خلى الأوضة لفت بياها. أبو فرح صرخ في وشها بصوت هز الحوائط بقى بتبعتي وتنزلي مع رجالة يا بنت الكلب؟ بقيتي تركبي عربيات شباب في الشارع وتضيعي شرفي وعرضي اللي تعبت فيه؟! ده أنا قتلك أهون عندي! فرح حطت إيدها على وشها ومصدومة، الدموع نزلت زي الكهارب، وقالت وهي بتعيط بصوت مسحوب والله ما عملت حاجة يا بابا.. والله كدب.. محصلش.. عمها دخل مسك أبوها وقال هدي نفسك يا اخوي.. خلينا نفهم الأول. أبو فرح زئهم وقال بصوت عالي تفهم إيه؟ البنت دي راجعة معايا الصعيد حالا.. الملاية اللي اتلفت بيها تتسد في بيتها.. مفيش تعليم تاني.. جهزي شنطتك في دقيقة يا فرح، فاهمة ولا أدفنك مكانك؟!
وقت عصيب ومُر.. ريم كانت واقفة في الصالة بتبص من شق الحائط وبتضحك في سرها بشماتة، شايفة فرح وهي بتعيط وبتتذلل لأبوها، وشايفة الشنطة وهي بتترمي على السرير وبتتلم فيها الهدوم بعنف. فرح كانت بتعيط بمرارة وهي بتلم هدومها، وكل اللي في دماغها اسم واحد بس زياد.. زياد الحقني.. بس رجعت وقالت لنفسها بانهيار هيجيبني منين؟ وهو هيعرف منين أصلا؟ خلاص.. حياتي انتهت.. راجعة الصعيد وهقعد في البيت لحد ما أموت.
في نفس اللحظة.. في مكتب مدير المباحث. زياد كان قاعد بيمضي على شوية أوراق، ورغم ان دراعه لسه واجعه، بس عقله كله مع فرح وسرحان في ابتسامتها. وفجأة تليفون الشغل الداخلي رن، رد بسرعة ألو.. أيوه يا باشا. الصوت من الناحية التانية كان لأمين شرطة من الخدمات يا زياد باشا.. معلش بعتل لحضرتك.. بس البنت اللي كنت بتسأل عنها من كام يوم.. فرح.. أنا لسه شايفها من شوية راكبة عربية نقل مع أبوها وعمها وشكلهم بيعيطوا وشاطين فيها، وراكبين في طريق الصعيد، وأبوها كان ماسكها من دراعها بالعافية وشكل فيه مصيبة.
زياد أول ما سمع الكلمة، القلم وقع من إيديه على المكتب، وقف مرة واحدة بقوة لدرجة إن الكرسي اتحرك لورا بصوت عالي، وقال بصوت مصدوم وعصبي قسماً بالله لو صابها أذى لأقلب الدنيا.. عربية إيه ونمرة كام؟ قال له الأمين على كل التفاصيل. زياد مكملش ثانية، أخد مفاتيحه ومسك سلاحه وحطه في جنبه، وطلع يجري على عربيته زي الممسوس، ودراعه المتعلق نسيه تماماً، صرخ وهو بيسوق عربيته بأقصى سرعة وقال اصبر يا فرح.. والله ما هخلي حد ياخدك مني.
الفصل الخامس الأخير
على طريق الصعيد السريع، عربية نقل قديمة ماشية بسرعة، وجواها فرح قاعدة في الكنبة اللي ورا، حاطة إيدها على وشها وبتعيط بانهيار، وأبوها قاعد جنبها وساكت ووشه أسود من الغضب، وعمها سايق. فرح كانت بتبص من شق الشباك الصغير وحاسة إن الهنا خلص، خلاص، راجعة للحبس والموت والذل، وظنها إن زياد هيجي ينقذها كان مجرد وهم، هو لا يعلم عنها حاجة ولا يعرف إنها مسافرة أصلًا. همست بدموع خلاص يا زياد.. مفيش أمل.
وفجأة.. سمعوا صوت صفارة عربية شرطة قوية وراهم، ووراها عربية سودا فخمة بتزمر بجنون. عم فرح بص في المراية وقال باستغراب وخوف إيه دي؟ دي عربية مباحث! العربية السودا كستهم وكسرت عليهم بمهارة شديدة ووقفت قدام عربية النقل عرض وطفت الطريق كله ومنعتهم من الحركة. أبو فرح اتعصب وقال إيه قلة الأدب دي؟ نازل أشوف مين ده!
الباب اتفتح، ونزل زياد. زياد كان شكله يخوف، عيونه حمرا، شعره منكوش شوية، وواقف بكل هيبته كظابط مباحث غاضب، ودراعه المتعلق اللي في الشاش بيتحرك مع كل حركة منه، وفتح باب عربية النقل وبص جوه بعيون تلمع نار. أبو فرح نزل وراه وهو بيزعق إنت مين يا جدع إنت؟ وعامل كده ليه؟ قاطع علينا الطريق ليه؟ زياد ولا كأنه سامعه، عينه كانت جوه العربية على فرح اللي أول ما شافته طلعت صرخة رجا وفرح ودموعها نزلت بغزارة. زياد نادى بصوت عالي ملا المكان فرح.. انزلي.
أبو فرح اتجنن وقال تنزل فين يا روح أمك؟ دي بنتي وأنا حر فيها، راجعة بيتها في الصعيد، إنت مالك أصلا؟ زياد قرب من أبو فرح خطوة، وبص له بعيون حادة وقوية وقال بصوت هادي بس مرعب بنتك على عيني وعلى راسي.. بس مش هتمشي خطوة واحدة غير لما تسمعني. أبو فرح رفع صوته وشد سلاح أو عصاية كانت معاه وقال ابعد عن طريقيحسن أقسم بالله أخلص عليك هنا! زياد مأعطاش فرصة لحد، طلع كارنيه المباحث وسلاحه بثقة وقال بصوت جبار أنا رائد زياد المنسي، ومباحث أمن الدولة.. وبنتك في حمايتي ومن حقها تختار تكمل تعليمها ولا ترجع.. ولو حد مد إيده عليها تاني هعتدي عليه بقانون الدولة.
الكلمة نزلت زي الصاعقة على أبو فرح وعمه، لقوا ظابط مباحث قدامهم شخصيته قوية ومرعبة وماشي معاه القانون كله وسلاح في إيده. زياد بص لجوه العربية وقال بحنان غير معتاد منه وهو بيبص لفرح انزلي يا فرح.. متخافيش من حد.
فرح فتحت الباب ونزلت، جريت ناحية زياد وقفت ورا ضهره كأنها بتحتمي بيه من أبوها، وماسكة في طرف قميصه وهي بتعيط. زياد وقف قدامها كأنه درع بشري، وبص لأبوها وقال بلهجة حاسمة البنت هترجع معايا القاهرة، تكمل جامعتها وتعيش عند خالتها، ولو فكرت تلمسها بسوء تاني، المحاضر هتملى القسم.. والكل هيعرف إنك بتعتدي على حريتها الشخصية. أبو فرح كان بيبص لبنته وساكت بغيظ، عارف إن قدام ظابط بالمنظر ده ومعه قانون مش هيقدر يعمل حاجة، وقال بغل اعتبريها ماتت بالنسبة لي.. متجيش تاني تفتحي بيبان بيتي. ولف ركب عربيته مع أخوه ومشوا وسابوها واقفة في نص الطريق.
فرح فضلت تعيط ومسكة في قميص زياد جامد وقالت بصوت مش طالع أنا.. أنا بابا هيقتلني لو رجعت. زياد لف وشها ناحيته، ونزل بصره لعينيها المليانة دموع، وبإيده السليمة مسح دموعها برفق أول مرة حد يعملهاله، وقال بصوت دافئ هادي هدأ قلبها كله محدش يقدر يلمسك.. أنا معاكي.. مش قلتلك احنا اللي بنحل المشاكل؟
رفعت فرح عينيها فيه وابتسمت وسط دموعها وقالت بصوت طفولي أنت جيت منين؟ زياد ابتسم وقال بتهكم جميل جيت عشان أنقذ البنت اللي بتقول مبحبش الظباط. ضحكت غصب عنها، وقالت بصوت واطي أنا كنت بهزر.. بحبهم.. بحبهم كلهم. زياد ضحك وقال طب يلا يا ستي.. اركبي عربيتي.. أرجعك القاهرة.. وبكرة نقعد نتكلم ونشوف هنعمل إيه.
ركبت فرح معاه العربية، ولأول مرة كانت قاعدة جنب وهو سايق وهي حاسة بالأمان التام، مش خايفة من حد، ولا بتبص في المراية، ولا بتفرك في إيديها. زياد كان سايق بإيده السليمة، وبص لها وقال بالمناسبة يا فرح.. فرح العروسة ولا فرح الظابط؟ وشها بقى أحمر وطفت كسوفها وقالت فرح وبس. وضحكوا هما الاتنين، وكانت دي بداية حكاية جديدة خالص.. حكاية قلبين جمعتهم صدفة وبدأت بخوف وانتهت بأمان.