اتجوزت واحده مطلقه واكبر مني ب 10 سنين

لمحة نيوز

​سلمى بنت في العشرينيات، كانت بتيجي كل كام يوم تشتري عيش من الفرن. كانت رقيقة جداً، عينها شقية، وضحكتها فيها شباب وحيوية لفتت نظري من أول لحظة. لقيت نفسي براجع سنين عمري، وبقول لنفسي: “أنا لسه صغير، ومن حقي أعيش سني مع واحدة من جيلي!”. بدأت أفتح معاها كلام، وقربت منها لحد ما اعترفتلها بإعجابي، وقالتلي إنها معجبة بيا كمان بس مترددة عشان متجوز. فضلت وراها وأقنع فيها إن الموضوع في إيدي وأني أقدر أوفق بين الاتنين.

​المشكلة الكبيرة كانت في “شادية”. الشرط القديم كان يطاردني زي الخيال. بس حبي لسلمى والغرور اللي ملاني لان شاديه بتعشقني خلاني أتشّجع. قلت: “هي بتحبني وشايلة جميل ، وأكيد مش هتهد بيتها بسهولة!”.

​دخلت البيت يومها ورجليا بالعافية شايلاني، قلبي كان بيدق زي الطبلة، وعرقي نازل من التوتر والخوف. لقيتها قاعدة بتقرأ كتاب في الصالون بالهدوء بتاعها المعتاد. قعدت قصادها، وحاولت أجمع شجاعتي وأنا بفرك إيديا ببعض.

​قلتلها بصوت متقطع: “شادية.. أنا عايز أكلمك في موضوع مهم.. أنا.. أنا معجب ببنت وعايز اتجوزها، وأنتي عارفة إن دا حقي الشرعي، وأنا عمري ما هقصر معاكي ولا في حقك…”.

​كنت مستعد لمليون سيناريو؛ تتجنن، تصرخ، تذكرني بالشرط وتعيط، أو حتى توافق باستسلام وتقولي “حقك يا حامد”.

​بس ردها.. ردها كان حاجة تانية خالص، رد عجيب وغريب جداً، خرج منها بنبرة هادية لدرجة مرعبة، خلت لساني يتسمر جوه بقي، ومش قادر أنطق ولا حرف!!!!

​فضلت متنح ومبرق في ملامحها، عقلي رافض يستوعب الرد. كنت متوقع صريخ، طرد، خناقة تهز العمارة، لكن شادية ابتسمت بهدوء وطبطبت على كتفي وهي بتقول: “أنا مش هقف في طريق سعادتك يا حامد، أنت زي ما شيلت اسمي سنتين وصونتني، أنا هفرح بيك بنفسي، ورجلك على رجلي بكرة نروح نطلب إيدها من أهلها”.

​خرجت من الصالون ودخلت أوضتها، وأنا واقف مكاني زي الصنم، بحاول أفرك وشي عشان أتأكد إني مش في حلم. الغرور ساعتها عماني، وسوس لي الشيطان وقال: “شفت؟ شادية بتموت فيك ومش قادرة تستغنى عنك، وحتى لو زعلانة جواها، هي قابلة بوجودك بأي تمن!”.

​تاني يوم، شادية جهزت ونزلت معايا في أبهى صورة. دخلنا بيت “سلمى”، واستقبلونا أحسن استقبال. شادية قعدت مع أهل سلمى زي الأم والأخت الكبيرة، اتكلمت بكل هيبة ووقار، وطلبت إيد البنت ليّا، وفتحت شنطتها وطلعت شبكة تقيلة تملى العين، وحطتها قدام سلمى وأمها، وقالت بصوت مسموع: “حامد يستاهل أحسن حاجة في الدنيا، وأنا مش هبخل عليه ولا على عروسته بأي قرش”.

​أهل سلمى طاروا من الفرحة، وسلمى عينيها كانت بتلمع بالانبهار من حجم العز اللي شادية رمته تحت رجليها. اليوم ده عدا وأنا ماشي حاسس إني ملكت الدنيا؛ الشاب الفقير اللي ما كانش لاقي ياكل، بقى معاه الست الكبيرة بأملاكها، والبنت الصغيرة بجمالها.

​مر شهر، وشادية كانت هي اللي بتشرف على كل تفصيلة في تجهيزات الفرح. حجزت أكبر قاعة في أرقى فندق، وطلبت من أحسن الطباخين يجهزوا بوفيه مفتوح، واشترت لي بدلة من أغلى الماركات. كان كل ما حد يسألها من معارفنا: “إزاي بتعملي كده لجوزك؟”, تبتسم وتقول: “حامد غالي عندي، ولازم الكل يعرف قيمته”.

​جه اليوم الموعود، يوم الفرح. القاعة كانت مقفولة بالأنوار والمزيكا، والمعازيم مالين المكان، وأهل سلمى وأصحابها مش مصدقين العز والفخامة. نزلت وأنا ماسك إيد سلمى، وهي في فستانها الأبيض زي القمر، وصوت الزغاريد مالي المكان.

​وسط الزفة، شادية دخلت القاعة، كانت لابسة فستان شيك جداً، وماشية وسط الناس بكل ثقة، والمعازيم يتهامسوا على كرمها وأصلها. قربت من الكوشة، وطلبت المايك من الفرقة عشان تقول كلمة للعريس والعروسة.

​المزيكا وقفت فجأة، والكل ركّز معاها. مسكت المايك، وبصت في عيني مباشرة بنظرة ثابتة خلت الدم يجمد في عروقي، وقالت بصوت واضح سمعته كل زاوية في القاعة:

​“مساء الخير على كل الحضور.. أنا شادية، صاحبة الفضل بعد ربنا في اللي حامد وصل له النهاردة. من سنتين، حامد جالي جعان ومش لاقي سكن، دخلته بيتي، وعملت منه راجل له قيمة واسم في السوق، وأديته كل اللي يتمناه، بس كان بيننا عهد ورجولة.. وشرط واحد: إنه ميخونش الأمانة ولا يرجع في كلمته.”

​القاعة سكتت تماماً، وسكون مرعب حل على المكان. سلمى بدأت ترتبك وتبصلي، وأنا لساني اتعقد، حسيت إن رجلي مش شيلاني.

​كملت شادية بهدوء تام وابتسامة باردة: “ولأن حامد اختار يبدأ حياة جديدة، فأنا جاية النهاردة أباركله.. وأسلّمه هديته قدامكم كلكم”.

​طلعت من شنطتها ملف أوراق ورفعته لفوق، وقالت: “الشقة اللي حامد فاكر إنها باسمه، دي كانت هبة بشرط إدارة، وفسخت عقد الهبة من أسبوعين بالقانون بعد ما خالف بنود الاتفاق. والفرن ومحلات العيش اتسحبت منه إدارتها من أول الشهر وعليه جرد بحسابات السنتين اللي فاتوا هيتسدد بالقانون. والعربية اللي راكبها دي إيجار باسم شركتي وسحبت مفاتيحها دلوقتي من الجراج. وبما إن كل حاجة رجعت لأصحابها.. فدي ورقة طلاقي منك يا حامد، طلقة بائنة لا رجعة فيها.. عشان تعرف إن اللي بتعمل راجل، قادرة ترجعه زي ما بدأ بالظبط!”.

​رمت الورق تحت رجلي في الكوشة، ولفت ضهرها ومشيت بخطوات ثابتة وراس مرفوعة، وسط ذهول وصدمة خلت الناس كلها تتهامس وتتفرج عليا.

​بصيت لـ سلمى لقيتها باصة لي باحتقار، وسحبت إيدها من إيدي بقوة. أبوها قام وقف ووشه جاب ألوان، وجِه ناحيتي مسكني من ياقة البدلة وقال بصوت عالي سمعه الكل: “يعني أنت شحات وكل ده مش بتاعك وجاي تضحك علينا؟! الفرح ده مش هيكمل، وبنتي مش هتعيش مع واحد غدار ومعهوش مليم!”.

​انسحبت سلمى وأهلها، والقاعة فضيت في دقايق، والمطربين لموا أجهزتهم، حتى إدارة الفندق جت وقفت فوق راسي وطالبوني بدفع باقي مصاريف القاعة بعد ما شادية ألغت الدفع من حسابها البنكي.

​خرجت للشارع في نص الليل، لابس البدلة الغالية اللي مبقتش تسوى تمنها، ماشي على رجلي بعد ما العربية اتسحبت والبيت اتقفل في وشي، مفلس، مكسور، وخسرت الست اللي شالتني والبنت اللي جريت وراها. قعدت على الرصيف، نفس الرصيف اللي كنت قاعد عليه من سنتين، وافتكرت كلمتها القديمة: “لو شايف إنك في يوم هترجع في كلامك، قولي وكل واحد يروح لحاله بكرامته”. ساعتها بس فهمت إن نقض العهد وطمع النفس نهايتهم دايمًا الوقوع من أعلى قمة للقاع.

تم نسخ الرابط