كنت ماشيه في المول

لمحة نيوز

حكيت له كل حاجة إزاي الست هاجمتني من غير سبب، وإزاي الناس بدأت تحرض ضدي بسرعة، وإزاي الست اللي كانت شايلة شنطة السوق كانت بتوجه الموجودين طول الوقت، وإزاي الراجل حاول يمنع البنت من الاتصال بالشرطة، وأخيرًا الخيط الأحمر اللي كان في إيد الاتنين.
وأنا بتكلم، لاحظت إن وش الراجل بقى متجهم أكتر، أما الست فكانت كل شوية تقاطعني بالصريخ. الظابط رفع صوته لأول مرة كفاية... محدش هيتكلم غير لما أطلب منه. ساد هدوء مفاجئ في المكان، وكل الناس بقت مستنية تعرف الحقيقة. وأنا لسه متمسكة بالست، لكن لأول مرة حسيت إن الكفة بدأت تميل لصالح الحقيقة بعد ما كانت كل المؤشرات من دقائق قليلة ضدي.
الظابط الأكبر سنًا أخد نفس طويل وبعدها قال بهدوء تمام... دلوقتي البنت هتسيب الست، وإحنا موجودين، ومحدش هيقرب من حد. رديت عليه فورًا وأنا بهز راسي لا. بصلي باستغراب يعني إيه لا؟ قلت وأنا لسه مكملة تثبيت الست أول ما أسيبها، الجماعة دول هيتلموا عليّا. أنا مش هفلتها غير لما أتأكد إن محدش فيهم هيقرب مني.
الراجل صاحب الجاكيت الأسود ابتسم بسخرية شايفين؟ أهي بنفسها معترفة إنها محتجزة الست. قلت من غير ما أبصله وأنا كمان بطلب يتثبت كلامه ده في المحضر. الظابط الأصغر رفع رأسه من الكشكول ليه؟ قلت علشان بعد شوية محدش يقول إنه ما قالوش.
بدأت أشعر إن الست اللي بين إيديا فقدت جزءًا كبيرًا من شجاعتها؛ كانت بتتنفس بسرعة وجسمها كله بيرتعش، وفجأة قالت بصوت أهدى من الأول خلاص... سيبيني... وأنا مش هعملك حاجة. بصيت لها وقلت من شوية كنتِ عايزة الناس كلها تهجم عليّا. سكتت.
الظابط سألها اسم جوزك إيه؟ الست اتلخبطت للحظة وبعدها قالت الاسم بسرعة. بصلي الظابط وإنتِ تعرفيه؟ قلت بمنتهى الثقة أول مرة أسمع الاسم ده. قابلتيه قبل كده؟ أبدًا. الراجل صاحب الجاكيت تدخل بسرعة طبيعي هتنكر. الظابط وقف كلامه بإشارة من إيده خلينا نمشي واحدة واحدة. وبعدين رجع سأل الست معاكي صورة لجوزك؟ قالت بثقة طبعًا. طلعت موبايلها من الشنطة بإيدها الحرة، وبعد شوية بدأت تدور وسط الصور. لكن الغريب، كل ما تفتح صورة تقفلها بسرعة وكأنها بتدور على حاجة مش لاقياها. عدت دقيقة واتنين وهي لسه بتقلب، والظابط بدأ يضيق عينه الصورة فين؟ قالت بتوتر يمكن اتمسحت بالغلط. سألها طب رقم تليفونه؟ وقفت ساكتة ثانيتين أنا... حافظاه بس اتلخبطت. الظابط الأكبر بص لها باستغراب واضح اسمه، ورقمه، وصورته... كله مش معاكي؟
في اللحظة دي، الراجل صاحب الجاكيت قرب خطوة وقال يا فندم، الست مصدومة، طبيعي تكون متوترة. لكن قبل ما يكمل كلامه، دوّى صوت من آخر الزحمة استنوا! الناس كلها بصت ناحية الصوت؛ كان شاب بيجري وهو رافع موبايله. وقف وهو بيحاول ياخد نفسه وقال أنا صورت أول الخناقة.
في لحظة واحدة، كل العيون اتجهت للموبايل اللي في إيده، حتى الراجل صاحب الجاكيت لأول مرة اختفت الابتسامة من على وشه. الظابط مد إيده وقال هات الموبايل. فتح الشاب الفيديو وكل الناس قربت تبص. الفيديو كان مهزوز لأنه اتصور على السريع، لكنه كان واضح في أهم نقطة أول لقطة فيه أنا ماشية لوحدي في المول ماسكة كوباية قهوة ومحدش معايا، وبعدها بثانيتين الست هي اللي جريت عليا وضربتني بالقلم من غير ما يحصل بينا أي كلام. الفيديو خلص عند بداية الخناقة، لكنه كان كفاية ينسف نص الرواية اللي الست قالتها.
الظابط رفع عينه ببطء وبص للست قلتي إنها كانت بتتخانق معاكي من الأول؟ الست اتلخبطت أ... أصل... هي... قبل ما تكمل، قال الظابط بحزم الفيديو بيقول غير كده.
ساعتها الراجل اللي لابس الجاكيت الأسود بدأ يتوتر لأول مرة وقال بسرعة يا فندم، حتى لو هي اللي بدأت الضرب، ده ما يثبتش إن مفيش علاقة بينها وبين جوزها. رديت فورًا ممتاز... هاتوا جوزها. الراجل سكت.
الظابط قال للست اتصلي بجوزك. طلعت الموبايل وإيديها كانت بترتعش واتصلت؛ الهاتف مغلق. حاولت تاني، برضه مغلق. الظابط مد إيده اديني الرقم. بعت الرقم في الجهاز اللاسلكي علشان يتم الاستعلام عنه، وعدت دقيقتين وبعدين جه الرد الرقم مسجل باسم شخص فعلاً، لكن مش زوجها، ده رقم عامل في شركة نقل. وش الست اصفر، والظابط بص لها وقال هتشرحي؟
قبل ما ترد، لف أحد أفراد الأمن وقال يا فندم... فيه كاميرات المول. كل الناس سكتت، وأنا حسيت إن رجلي بدأت ترجع تقف بثبات. الظابط طلب فورًا مراجعة التسجيل، وبعد أقل من عشر دقائق رجع موظف غرفة المراقبة وهو شايل جهاز تابلت وشغل التسجيل.
المشهد كان أوضح بكتير؛ ظهر وأنا داخلة المول لوحدي، وبعدها بدقائق دخلت الست، ثم الراجل صاحب الجاكيت، ثم الست اللي كانت شايلة شنطة السوق. التلاتة دخلوا من ثلاث مداخل مختلفة، لكن قبل الهجوم بدقيقة وقفوا كلهم عند نفس العمود وتكلموا مع بعض أقل من عشر ثانيين، وبعدين كل واحد راح مكانه والست اندفعت ناحيتي.
لما الفيديو خلص، عم الصمت.. ولا كلمة.. ولا نفس. الظابط ببطء لف ناحية الراجل صاحب الجاكيت لسه هتقول إنكم ما تعرفوش بعض؟ الراجل فجأة زق واحد من العساكر بكل قوته ولف يجري. صرخ الظابط امسكوه! بدأت مطاردة وسط المول، وفي نفس اللحظة الست اللي كانت شايلة شنطة السوق حاولت تهرب هي كمان، لكن اتنين من الشباب اللي كانوا واقفين من الأول جريوا وراها ووقعوها على الأرض قبل ما توصل لباب الخروج.
أما الست اللي كانت بين إيديا، فأول ما شافت الاتنين اتمسكوا انهارت، وراحت تعيط بطريقة مختلفة تمامًا عن الأول؛ مش عياط تمثيل، عياط خوف. قالت وهي بتترعش والله أنا مجرد منفذة... والله العظيم. الظابط قال بحدة منفذة لإيه؟ سكتت، ففضل يبصلها لحد ما قالت بصوت واطي إحنا... بنختار البنات اللي بيبقوا لوحدهم. الناس كلها شهقت، وأنا حسيت جسمي كله ساقط. كملت وهي بتبكي نعمل خناقة كبيرة... ونلم الناس... واللي معانا يدخلوا وسط الزحمة... وياخدوا البنت بالعافية... والناس تفتكر إنها فعلاً غلطانة أو مجنونة. الظابط قال وبعد كده؟ نزلت راسها بعد كده... بتختفي.
حد من الناس صرخ يا ساتر! وفي نفس اللحظة وصلت قوة دعم إضافية، فتقبض على التلاتة، وبدأ تفريغ كاميرات المول بالكامل. بعد ساعات عرفت الحقيقة؛ العصابة كانت مطلوبة في أكتر من محافظة وكان عليهم عشرات البلاغات، وبنات كتير اختفوا بنفس الأسلوب، لكن محدش كان قادر يثبت عليهم حاجة لأن كل مرة كانوا بيغيروا الأدوار والوجوه.
أنا كنت أول واحدة تتمسك بواحد منهم لحد ما الشرطة وصلت. بعد أسبوع استدعوني للشهادة، وعرفت إن الراجل صاحب الجاكيت اعترف بعد مواجهة الكاميرات واعترافه على باقي أفراد الشبكة، وتم القبض على أفراد تانيين في أكتر من مكان. أما الست ففضلت تبصلي وهي خارجة من النيابة وقالت إنتِ بوظتي كل حاجة. بصيتلها بهدوء وقلت لا... أنا بس رفضت أكون الضحية اللي بعدها.
خرجت من النيابة يومها، وأول ما شفت أمي مستنياني بره حضنتني بقوة.
ساعتها فقط سمحت لنفسي أعيط لأول مرة من يوم الحادث، لأني أدركت إن شجاعة لحظة واحدة كانت السبب إني رجعت بيتي على رجلي، بينما كان ممكن أختفي من الدنيا كلها من غير ما حد يعرف أنا رحت فين.

تم نسخ الرابط