زوج أمي

لمحة نيوز
/

فجأة عادت إلى ذاكرتي عشرات الصباحات التي قضيتها مع فؤاد في المطبخ، رائحة التفاح والقرفة، وابتسامته حين كان يضع أمامي الفطيرة التي تأخذ شكل نجمة. قلت بصوت خافت: «الفطائر... كانت فطائر مريم المفضلة». طوال حياتي كنت أظن أن فؤاد صنع تلك العادة من أجلي، لكنها كانت ذكرى فتاة أخرى أحبها أبي قبلي، فشعرت بوخزة غريبة من الحزن والغيرة والذنب كأنني أغار من طفلة ماټت قبل أن أعرف بوجودها.

قالت نوال لتخفف عني: «فؤاد لم يحبك بدلًا منها، ولم يجعلك تحلين مكانها... أنتِ كنتِ السبب الذي جعله يكتشف أنه يستطيع أن يتذكر مريم دون أن يغرق في الألم». وأوضحت أنه بعد زواجه من أمي بفترة قصيرة، طلبت منه ذات صباح أن يصنع لي فطائر على شكل نجوم، فدخل المطبخ وأخرج القالب القديم وصنعها للمرة الأولى منذ موتها، واتصل بها باكيًا لأنه فهم وقتها أن تذكر مريم لا يعني أنه ممنوع من أن يحب طفلة أخرى.

تخيلت فؤاد في مطبخنا القديم وأنا طفلة أراقبه، وفجأة لم تعد ذكرياتي تبدو كما كانت، بل أصبحت تحمل ظل طفلة لم أعرفها. وسألتها عن سبب قوله إنه كذب علي طوال حياتي، فتغير وجه نوال وقالت إن هناك شيئًا لم يخبرني به عن ليلة وفاة أمي، إذ كان فؤاد ينوي الرحيل بعيدًا عني.

بعد وفاة أمي، امتلأ البيت بالأقارب الذين أخبروا فؤاد أنه ليس أبي الحقيقي وأن من الأفضل أن تتولى عائلتي تربيتي وأنه شاب ظلم نفسه بتربية طفلة ليست ابنته. وفي تلك الليلة صدق كلامهم وحزم بعض أغراضه ووضع حقيبته في السيارة معتقدًا أن رحيله مبكرًا أرحم لي من أن يبقى ثم يندم يومًا.

لكنه جاء إلى بيت نوال في منتصف الليل وجلس ساعات وهو يقول إنه لا يستطيع أن يصبح أبًا مرة أخرى وإنه يخاف أن يحبك ثم يفقدك مثلما فقد مريم. قلت بدموع منهمرة: «لكنه عاد»، فقالت نوال إنها أخبرته أن الخوف ليس دليلاً على أنه يجب أن يرحل، بل دليل على أنني أصبحت مهمة بالنسبة إليه.

تذكرت حينها نفسي طفلة أجلس تحت طاولة المطبخ بعد جنازة أمي وسألته إن كان سيسترجل ويرحل، ليمد إصبعه الصغير نحوي ويقول بصوته الحنون: «أنا باقٍ». بكيت ليس لأنه كاد يرحل، بل لأنني فهمت كم كان عليه أن يحارب نفسه حتى يبقى.

نظرت إلى الساعة وفجأة تذكرت المستشفى وفؤاد الذي تركته هناك، فركضت نحو الباب وأخذت قالب النجمة الذي مدته إليّ نوال. طوال الطريق لم أفكر إلا في أن أخبره أنني فهمت ولم أعد غاضبة، وأن سره جعلني أراه كاملًا بكل مخاوفه وحبه.

وعندما وصلت إلى المستشفى، كانت الممرضة تنتظرني عند باب غرفته وقالت بهدوء: «أنا آسفة». دخلت وكان مستلقيًا والأجهزة قد صمتت، فجلست أقبض على يده الباردة وأبكيه، ووضعت قالب النجمة بجوار يده.

أعطتني الممرضة متعلقاته، وفتحت محفظته القديمة لأجد خلف بطاقته الشخصية صورة مريم تبتسم أمام طبق فطائر التفاح، وبجانبها صورة أخرى لي وأنا طفلة أحمل فطيرة محترقة وأضحك. كان قد احتفظ بالصورتين معًا، وفهمت أخيرًا أنه لم يمحُ مريم ليقسح لي مكانًا، ولم يحبني لأنها رحلت، بل كان يحمل ابنتيه في قلبه معًا.

في اليوم التالي عدت إلى بيتي حيث كانت ابنتي تنتظرني في المطبخ لتسألني عن جدي، فأخبرتها بكل شيء عن مريم وفؤاد والرجل الذي كاد أن يرحل ثم اختار أن يبقى رغم كل خوفه. خلطنا التفاح والقرفة وعملنا أول فطيرة خرجت محترقة من أطرافها لضحك ابنتي وتخبرني أن جدي كان يصنعها أفضل، فضحكت وامسحت دموعي وعلمت أن أكبر كذبة أخفاها أنه ليس أبي، لأنه كان أبي الحقيقي باختياره.

تم نسخ الرابط